Xenophobia

 

 الحلم الاميركي والسودان (17): الخوف من الاجانب

 

في استفتاء جديد شمل 46 دولة:

 

الاميركيون يقولون "ثقافتنا الاحسن".  لكنهم، مثل غيرهم، خائفون من الاجانب

 

حتى مالي، من افقر دول العالم، لا تريد الاجانب 

 

واشنطن: محمد علي صالح

 

مؤخرا، اصدرت مؤسسة "بيو" الاميركية للاستفتاءات نتائج استفتاءات عن العلاقات بين العولمة والثقافات المحلية.  اجرت الاستفتاءات في 46 دولة (منها ست دول عربية: لبنان ومصر والكويت والمغرب والاردن وفلسطين)، وعشر دول اسلامية، نصفها في افريقيا.  استغرق اجراء الاستفتاءات شهرين، وشمل اكثر من 45 الف شخص، سألهم كلهم مندوبون، بالتلفون او وجها لوجه. 

ورغم ان الاميركيين اعلنوا، في فخر، ان ثقافتهم احسن من الثقافات الاخرى، كشفوا انهم، مثل غيرهم من الشعوب، خائفون من الاجانب، وثقافات الاجانب، وعادات الاجانب.  ورغم ان الاميركيين هم قادة العولمة والرأسمالية، كشفوا بأنهم، منذ قبل خمس سنوات، يزيدون خوفا من تأثير العولمة والرأسمالية عليهم.

ماذا حدث خلال الخمس سنوات الاخيرة؟ 

اولا: زادت هجرة الشركات الاميركية الى دول العمالة الرخيصة. 

ثانيا: زادت الشقة بين الاغنياء والفقراء داخل اميركا. 

ثالثا: وقع هجوم 11 سبتمبر، واثبت ان العولمة طريق لاتجاهين، وانها اقتصاد، وسياسة، ودين، وحرب، و "ارهاب"؟

في نفس الوقت، تحمس للعولمة الصينيون والهنود.  ولا غرابة، لأنهم اكثر شعوب العالم تنمية (نسبة عشرة في المائة واكثر).  ولأنهم ارخص شعوب العالم عمالة (متوسط دولار في الساعة).  ولان الشركات الاميركية والاروبية تهرول نحوهم لتبني مصانع هناك، رغم احتجاج نقابات العمال في دولها.

وهكذا، سببت العولمة تناقضات هنا وهناك.  وقال اندرو كوهوت، مدير قسم الابحاث في مركز "بيو": "يوجد قلق عالمي بسبب تزايد التناقض والحيرة.  بقدرما ترحب الشعوب بالعولمة، تخاف من زوال هويتها وثقافتها.  وبقدرما تستمتع الشعوب بالبضائع الاجنبية، تخاف، او تكره، الذين يصنعونها.  وبقدرما تتحمس الشعوب للحرية، تشك في نوايا الحكام والسياسيين، وفي وجود انتخابات نزيهة، وقضاء مستقل، وتسامح ديني."

 

الخوف من الاجانب:

 

اوضحت الاستفتاءات ان اكثر خوف وسط كل الشعوب هو الخوف من الاجانب، ومن "الثقافات الدخيلة".  ومن اوائل الخائفين الشعب الاميركي، قائد الغزو الثقافي في العالم. 

طلبت نسبة 75 في المائة من الاميركيين التشدد في دخول الاجانب القانونيين، ومنع  الذين يدخلون بطرق غير قانونية.  حتى الكنديون، الذين يشتهرون بالترحيب بالمهاجرين، طلبت ذلك نسبة 62 في المائة.  لكن، جاء الايطاليون في المقدمة: نسبة 90 في المائة (ربما لأن ايطاليا تمتد داخل البحر الابيض المتوسط، وكأنها تبسط ذراعيها للاجانب.  ليس فقط من الدول العربية والافريقية، عبر ليبيا ومالطا، ولكن، ايضا، من دول شرق اروبا، عبر بحر ادرياتيك). 

حتى شعوب العالم الفقيرة ترفض الاجانب، وتخاف منهم:

 80  في المائة في فنزويلا، و 70 في المائة في البرازيل.  حتى المكسيك التي يهاجر الملايين منها بطرق غير قانونية الى الولايات المتحدة، طلبت نسبة 70 في المائة التشدد في هجرة الاجانب اليها.  وحتى بيرو، واحدة من افقر الدول في اميركا الجنوبية، طلبت نسبة 50 في المائة التشدد في هجرة الاجانب اليها

 

العرب والاجانب:

 

 وينطبق عدم الترحيب بالاجانب على العرب ايضا.  قالت ذلك نسبة 70 في المائة من المصريين، والمغاربة، والاردنيين، واللبنانيين.  والغريب ان سكان فلسطين اقل الشعوب في كل العالم رفضا للاجانب: نسبة 40 في المائة فقط.  ربما عطفا على اخوانهم الفلسطينيين الاجانب في المنافي.  وربما عطفا على العراقيين الذين صار بعضهم لاجئين مثلهم.  وربما لأنهم يعتبرون انفسهم "اجانب" في وطنهم.

لكن، بصورة عامة، لا يحب الاجانب اي شعب. 

حتى في آسيا: لا ترحب بالاجانب نسبة 90 في المائة في اندونيسيا، وفي الهند، وفي ماليزيا.  واذا كانت هذه الشعوب تتطور بنسبة اعلى من غيرها، وتخاف من هجرة الاجانب من الدول الفقيرة المجاورة لها، حتى الشعوب التي لا تتطور بنفس النسبة، مثل الباكستانيين والبنغلادشييين، قالت نسبة 70 في المائة منهم انهم لا يريدون الاجانب في بلادهم.

حتى افريقيا، افقر قارات العالم، لا تحب الاجانب. 

وبنسبة اعلى من اي دول اخرى في العالم.  قالت ذلك نسبة 94 في المائة في ساحل العاج، ونسبة 90 في المائة في جنوب افريقيا وتانزانيا.  حتى في مالي، واحدة من افقر شعوب العالم، قالت ذلك نسبة 80 في المائة.

 

الثقافة الغربية:

 

طبعا، لا يهاجر الى شعوب العالم الثالث غربيون (سوى حالات فردية)، ولا تخاف شعوب العالم الثالث من وجود هؤلاء وسطهما، بل ترحب بالخبراء والمستشارين منهم.  

ولكن، تخاف شعوب العالم الثالث من الثقافة الغربية.  تخاف من تأثي الافلام والمسلسلات التلفزيونية والاغاني الاميركية.  مثل مسلسل "سكس أند ذا سيتي" (الجنس والمدينة)، وفيلم "اميركان بيوتي" (الجمال الاميركي)، واغاني بريتني سبيرز وهي تغنيها شبه عارية.

يوجد اختلاف بين الرغبة في مشاهدة هذه المسلسلات والافلام في دول العالم الثالث، وبين الخوف من تأثيرها على الثقافات المحلية.  واتفقت هذه على ان السبب هو الخوف من فقدان القيم والعادات الدينية، والقبلية، والعائلية. 

وللدين دور كبير في ذلك. 

لكن، اوضحت الاستفتاءات ان الاميركيين، الذين يصدرون هذه المسلسلات والافلام، يصرون، في نفس الوقت، على انهم اكثر شعوب العالم تدينا.  

قال تسعون في المائة انهم يؤمنون بالله.  وقال سبعون في المائة انه يصلون بانتظام.  وقال ستون في المائة انه لا توجد اخلاق مثالية بدون ايمان.  وقالت نفس النسبة  انه لا يوجد ايمان بدون الايمان بالله. 

لكن، اوضحت الاستفتاءات ان الاميركيين لا يحتكرون الايمان بالله.  بالعكس، كلما زاد الفقر، زاد الايمان.

  

الثقافات المحلية:

 

اوضحت الاستفتاءات اتفاق الشعوب على ان العولمة والانفتاح التجاري وانتشار الرأسمالية يفقدها ثقافاتها.  واتفقت في ذلك الدول الكبيرة والصغيرة، والغنية والفقيرة، والقوية والضعيفة.

قال اكثر من سبعين في المائة من الاميركيين: "نعم، نفقد تدريجيا ثقافتنا وتقاليدنا وعاداتنا."  وقالت نسبة ستين في المائة: "تجب حماية ثقافتنا وطريقة حياتنا من التأثيرات الاجنبية."  وتتفق بقية الشعوب على ذلك بنسب مختلفة: ثمانون في المائة من البريطانيين، ومن الفرنسيين، ومن الالمان.

تزيد نسبة الذين خافوا من الثقافات الاجنبية في اميركا عنها في بريطانيا، وفرنسا، والمانيا.  ربما لأن الاميركيين يعرفون ان ثقافتهم شبه عالمية، وانها قوية، وانها، كما قالوا "احسن".  (لم يقولوا ان الثقافات الاخرى، وخاصة ثقافات العالم الثالث "اسوأ"، لكن هذا مفهوم).   

قال نصف البريطانيين والفرنسيين والالمان انهم لن يقدروا على وقف الثقافات العالمية.  وقال ذلك ربع السويديين (ربما لأنهم يعرفون ان ثقافتهم ليست عالمية).

اكثر نتيجة مفاجئة كانت في فرنسا.  قال نصف الفرنسيين انهم لا يتحمسون لحماية ثقافتهم من الثقافات الاجنبية، رغم انهم مشهورون بحرصهم على  ثقافتهم، وباصدار قوانين متشددة ضد الافلام والمسلسلات الاميركية مثلا، وبصراعهم الثقافي التاريخي ضد الاميركيين.

هل استسلموا؟

 

العالم الثالث:

 

اكثر الشعوب التي تؤمن بأهمية حماية ثقافتها توجد في العالم الثالث: ثمانون في المائة في البرازيل والمكسيك.  في العالم الثاني، الروس من اكثر الشعوب خوفا على فقدان ثقافتهم، وذلك لأن نسبة الذين يؤمنون بالدفاع عنها اكثر من نسبة الذين قالوا انها تضمحل.

وارتفعت نسبة الخوف من الثقافات الاجنبية، واهمية الدفاع عنها، وسط شعوب العالم الثالث: تسعون في المائة وسط الهنود، والماليزيين، والاندونيسيين، والكينيين، والتانزانيين، والاثيوبيين، والسنغاليين.

اما وسط العرب، جاء الكويتيون والمغاربة في مقدمة الشعوب التي اعترفت بأن ثقافات اجنبية تؤثر على ثقافاتها (ثمانون في المائة).  وربما يعنى ذلك انها اكثر الشعوب العربية تعرضا لثقافات اجنبية (بريطانية واميركية في حالة الكويت، وفرنسية في حالة المغرب).  لكن قالت ذلك نسبة اقل، نسبة خمسين في المائة، وسط المصريين والفلسطينيون والاردنيين.

هل لابد من حماية الثقافة العربية ضد الثقافات الاجنبية؟

جاء المصريون في المقدمة، وايدت ذلك نسبة تسعين في المائة.  وجاءت بعدهم بقية  الشعوب العربية التي شملتها الاستفتاءات (نسبة ثمانين في المائة تقريبا).

 

حاكم قوي:

 

تخاف شعوب العالم الثالث من الثقافة الاميركية (وثقافات غربية اخرى) لأنها تراها اكثر اباحية، واكثر جنسا، واكثر فردية.  وتراها اقل اخلاقا، واقل تدينا، واقل انسجاما. وفي الجانب الآخر، يخاف الاميركيون (وبقية الغربيين) من ثقافات العالم الثالث لأنهم يرونها اقل حرية، واقل علما، واقل حضارة.  ويرونها اكثر دكتاتورية، واكثر فسادا، واكثر فوضوية.

ورغم سقوط النظام الشيوعي في روسيا، وتأسيس نظام ديمقراطي، ترى اغلبية الاميركيين ان الثقافة الروسية اقل حرية واقل حضارة.  بل يبدو ان الروس انفسهم يوافقون على ذلك، لأن ستين في المائة منهم قالوا في هذا الاستفتاء انهم "يفضلون رئيسا قويا على نظام ديمقراطي حقيقي." 

وفي هذا قال كوهورت، مدير مركز "بيو": "يتردد الاميركي الذي يرى بلده قائدة الحرية في العالم ان يفهم، ناهيك عن ان يثق، في شخص يقول مثل هذا الرأي."

وبينما فضل الكويتيون واللبنانيون حكومة ديمقراطية على حكم فرد قوى، انقسم المصريون والاردنيون الى قسمين متساويين تقريبا.  وفضل الفلسطينيون حاكما قويا (ربما لأن دولتهم لا تزال لم تتحقق).

لكن، تفوق الافارقة على العرب في هذه النقطة.  

فضلت نسب عالية جدا من الافارقة الديمقراطية على حكم الفرد القوي.  وقالت ذلك نسبة تسعين في المائة في ساحل العاج، وسبعين في المائة في اثيوبيا.

 

الحرية السياسية:

 

وهناك شئ آخر يخيف الاميركيين وبقية الغربيين من ثقافات العالم الثالث.  وهو انها تفضل الطعام على الحرية (عكس شعار الحرية المسيحي: "ليس بالخبز وحده يعيش الانسان"). 

وقال كوهوت: "يوجد حتى داخل اميركا من يرى ان حرية الطعام اهم من الحرية السياسية، لكن لا يفهم الاميركي انسانا لا يرى ان الحرية هي اهم شئ.  ناهيك عن ان يثق فيه."  واشار الى بول ريفيير (من ابطال الاستقلال الاميركي)، يتنقل على حصانه، من مدينة الى مدينة، ويصرخ: "اعطني حرية او اعطني موتا."

وهناك صلة وثيقة بين رغبة الاميركيين في التشدد ضد دخول الاجانب (حتى بطرق قانونية)، وبين شكوكهم في ثقافات الاجانب، ان لم يكن اعتراضهم عليها.  واهم سبب هو اعتقاد الاميركيين ان الشعوب الاخرى لا تقدر الحرية.

وعلى راس هذه الشعوب الاجنبية الروس.

في هذه الاستفتاءات، فضلت نسبة كبيرة من الروس (اكثر من سبعين في المائة) نهضة اقتصادية قوية، على حرية سياسية (اقل من عشرين في المائة).  واتفقت مع الروس شعوب  في شرق اروبا، مثل اوكرانيا. 

لكن، يوجد حماس اكثر للحرية السياسية في بعض دول آسيا وافريقيا، مثل شعب بنغلاديش الذي قال عكس الروس تماما.

اما وسط العرب، عدا الكويتيين، فضل المصريون، والاردنيون، والمغاربة، واللبنانيون نهضة اقتصادية على الحرية السياسية.  (كأنهم يقولون: "بالخبز وحده يعيش الانسان").

ممممممممممممممممممممممممممممممم

تعليق (1):

لم يشمل الاستفتاء السودان، لكنه شمل دولتين قريبتين: واحدة عربية (مصر)، وواحدة افريقية (مالي).  والغريب ان المصريين، وكثير من الشعوب العربية، فضلوا النهضة الاقتصادية على الحرية.  لكن، قال الناس في مالي، وفي كثير من الدول الافريقية، العكس. 

وحدث نفس الشئ بالنسبة لسؤال: ايهما افضل: حاكم دكتاتوري قوى، او حكومة ديمقراطية؟  انقسم المصريون وكثير من العرب الى نصفين.  لكن، فضلت اغلبية ساحقة في مالي، وفي كثير من الدول الافريقية، الحرية على حكم الفرد.

ماذا كان سيقول السودانيون لو سئلوا؟  الامل انهم سيقفون مع الحرية، مثل بقية الافارقة.  ماذا حدث للمصريين، ولبقية العرب؟  هل هي ثروة البترول او المساعدات الاميركية؟

تعليق (2):

لا يختلف السودانيون عن غيرهم، عربا وافارقة واميركان، في الخوف من الاجانب.  وهذا خبر نشرت مؤخرا جريدة "الايام":

"تواصل اجهزة وزارة الداخلية متابعتها للوجود الاجنبي غير القانوني في السودان، بعد ان زاد بصورة كبيرة وجود الاجانب في السودان.  ونشأت في الخرطوم شركات لاستقدام الاجانب، واكثرها لا تلتزم بالضوابط القانونية.  وتم ابعاد الكثيرين.  ولكن تبقى هناك مشكلة حتى بالنسبة لاولئك الذين يعتبر وجودهم قانونيا، حول الضوابط التي تحكم منح الاذن للاجنبي.  اننا نلاحظ ان الفنادق والكافتيريات والمتاجر تستخدم اجانب بنسب كبيرة.  فعلى اي اساس تم السماح لهؤلاء؟  فتح الباب بدون تحديد معايير صارمة ستكون له نتائج اقتصادية خطيرة."