The Freedom

الحلم الاميركي (1) الحرية:

 

كتاب جديد: "مانفستو القدر"

 

اساس الحرية الاميركية ديني قوي

 

ماذا عن "المانفستو الشيوعي"؟  و "المانفستو الاسلامي"؟

 

واشنطن: محمد علي صالح

 

مؤخرا، صدر كتاب "مانفستو القدر" الذي كتبه د. اندرز ستيفانسون، استاذ التاريخ في جامعة كولمبيا (في نيويورك)، ومن كبار المثقفين الاميركيين المتخصصين في تاريخ الحرية في اميركا.  رغم ان الكتاب اكاديمي، منذ اول نظرة، تجذب الشخص صورة مثيرة (وذات معاني عميقة وكثيرة) على غلافه.  

صورة بنت جميلة شقراء، تلبس فستانا ابيضا خفيفا يكشف صدرها وساقا، وجزءا من فخذ، وجزءا من نهد.  تطير البنت في الهواء، وكأنها من الملائكة، من شرق الولايات المتحدة الى غربها، وفستانها وشعرها الطويل يرفرفان وراءها.

قبل مائة وخمسين سنة، رسم هذه اللوحة الاميركي جون غاست.  سمي البنت "كولمبيا" (اشارة الى اسم اميركا الاول، منسوبا الى كريستوفر كولمبس).  وسمي اللوحة "تقدم اميركا" (اشارة الى ان البنت تحمل الحرية والحضارة، وتطير نحو الغرب الذي كان يسكنه الهنود الحمر).

قال بعض المؤرخين ان الكتاب الذي تحمله البنت هو "الكتاب المقدس".  وقال آخرون انه كتاب مدرسي لنشر العلم.  وبينما تطير "البنت الملاك" في الهواء نحو الغرب، فوق الجبال والوديان والمراعي، يهرب امامها الهنود الحمر وحيواناتهم، ويتقدم خلفها رجال بيض يحملون كتبا ويغرسون اعمدة التلغراف، ويشيدون خطوطا حديدية لقطارات بخارية، ويحققون "تقدم اميركا".

 

حرية وحرية:

 

قسم د. ستيفانسون تاريخ الحرية في اميركا الى مرحلتين:

اولا، تأسيس الحرية داخل الولايات الثلاث عشر (الشرقية) التي حاربت الاستعمار البريطاني وحققت الاستقلال، ووضعت الدستور.

ثانيا، نشر الحرية نحو ولايات الغرب والجنوب الغربي، نحو المحيط الهادي ونحو المكسيك.

بعد الاستقلال بخمسين سنة  تقريبا، قاد الرئيس اندرو جاكسون هذه التوسعات.  وامر القوات الاميركية بأن تتقدم لتهزم الهنود الحمر (وتحتل ما يعرف الآن بولايات واشنطن، واوريغون، وكليفورنيا).  ولتهزم المكسيكيين (وتحتل ما يعرف الآن بولايات نيومكسيكو، وتكساس، وكولورادو، واريزونا).

اذا كان الرئيس جاكسون رمز نشر الحرية بالقوة، واذا كانت لوحة "كولمبيا" الشقراء  رمز جمال الحرية، فان "مانفستو القدر" كانت وثيقة الحرية. 

في سنة 1845، كتب جون اوسليفان، رئيس تحرير جريدة "نيويورك نيوز": "يجب ان تتقدم قواتنا، وتحتل تكساس.  لا لأن تكساس تريد منها ان نحتلها، ولكن لأن مانفستو قدر اميركا هو  نشر الحرية في تكساس، وغير تكساس.  قدر اميركا هو نشر الحرية في كل القارة الاميركية." 

واضاف: "اعطانا الله القارة الاميركية لنجرى فيها اعظم تجربة في تاريخ الانسان: لننشر الحرية."  واضاف: ""لن نحتاج الى القوة لنشر الحرية، لكننا نقدر على ان نستعملها."

 

خلفية دينية:

 

انعكس هذا التناقض بين الحرية والقوة على الاميركيين حتى يومنا هذا، عسكريا، وسياسيا، وفكريا. 

وخلال النقاش الحالي عن حرب العراق، يحاول اميركيون تحاشي استعمال كلمات عنيفة مثل: "غزو" و "احتلال" و "تورط".  ويفضلون كلمات ودية مثل: "مهمة" و "وجود" و "خيارات".

قبل مائة وخمسين سنة، فعلوا نفس الشئ.  حاولوا تحاشي كلمات عنيفة، مثل: "توسع" و "استيطان".  وفضلوا استعمال كلمات ودية مثل: "قدر" و "مهمة". 

استعمل الاميركيون كلمة "ميشن" (مهمة) كثيرا، منذ الحروب ضد الهنود الحمر وحتى الحروب ضد الارهابيين.

وللكلمة رمز ديني، لأنها وردت في التوراة والانجيل.  لكن، ركز عليها الانجيل عندما قال ان النبي عيسي وضع "ميشن" (مهمة) نشر المسيحية على عاتق الحواريين. وصار واحد منهم، بطرس، الذي سافر من القدس الى روما، اول "المبشرين."

واستعمل الرئيس بوش، بعد سنتين من غزو العراق، الكلمة عندما اعلن: "ميشن اكوملبشد" (نفذت المهمة ).  لكن، طبعا، كان واضحا ان المهمة لم تنفذ.

 

عمليات عسكرية:

 

وصل التناقض بين الحرية والقوة في الفكر الاميركي الى داخل البنتاغون.   ويريد العسكريون تحقيق هدفين في نفس الوقت: اولا، هزيمة العدو.  ثانيا، تعليمه الحرية.

وذكر كتاب "عملية شارع ماديسون" ان هناك خبراء في البنتاغون متخصصون في اختيار اسماء للعمليات العسكرية، وانهم لا يقلون كفاءة عن خبراء الاعلانات والموضات في شارع ماديسون (في نيويورك)  في اختيار الكلمات والجمل التي تجذب الناس.

وتعمد العسكريون ان يسموا حروبهم اسماء لها صلة بالحرية، حتى يتحاشوا استعمال كلمات مثل "تدخل" و "غزو".  كان التدخل في فيتنام عملية "شعلة الحرية".   وغزو بنما عملية "قضية عادلة".  وتدبير انقلاب غواتيمالا عملية "النجاح".  وتدبير انقلاب السلفادور عملية "الحظ".  وغزو غرينادا عملية "الغضب السريع"، وارسال قوات الى هايتي عملية "الافق الجديد."

وفي الشرق الاوسط، كانت محاولة انقاذ الرهائن الاميركيين في ايران عملية "مخلب الصقر".  وضرب ليبيا عملية "الدورادو" (مدينة الذهب، تعبير مسيحي).  وتحرير الكويت عملية "عاصفة الصحراء".  وغزو افغانستان عملية "نشر الحرية".  وغزو العراق عملية "حرية العراق." 

وفي الجانب الآخر، رأي العسكريون ان كل من يعارض نشر الحرية عدوا، ولهذا سموا عملياتهم ضد المسلحين في العراق اسماء قاسية وخشنة، مثل: "السيف الحديدي" و "العدالة الحديدية" و "الوعد الحديدي".

 

مثقفون معارضون:

 

وحتى اليوم، يستمر النقاش وسط المثقفين الاميركيين عن استعمال القوة لنشر الحرية.  ويقول الذين يعارضون ذلك الآتي:

اولا، يتدرب الجندي على القتل، لا على نشر على الحرية.  ثانيا، تختلط القيم الاخلاقية بالمصالح الاقتصادية.  ثالثا، لا تنتشر الحرية بالقوة.  رابعا، للحرية ثمن، ويدفع الثمن الذين يريدونها (لا الجنود الاميركيون).

اذا كان الصحافي اوسليفان من اوائل الذين دعوا لنشر الحرية بالقوة (كجزء من نشر كمة الله)، فان عضو الكونغرس روبرت وينثروب كان من اوائل الذين عارضوا.  قال، في سنة 1846، بعد سنة من رفع شعار "مانفستو القدر": "اعتقد  ان هذا خلط بين الدين والسياسة.".  وسأل: "كيف يستغل صحافي مثقف العلاقة الروحية بين انسان وخالقه لتحقيق هدف سياسي وعسكري، وهو توسيع الولايات المتحدة؟  ولماذا ينشر مثل هذه الشيفونية (الوطنية المتطرفة)؟"

 

الحرية خارج اميركا:

 

قبل مائة سنة  تقريبا، انتقل النقاش وسط المثقفين الاميركيين من نشر الحرية (بقوة او غير قوة) داخل الولايات المتحدة الى نشرها خارج اميركا.  حدث لذلك لأكثر من سبب: 

اولا، اعادت اميركا بناء نفسها بعد الحرب الاهلية.  ثانيا، ضمت اليها ولايات مثل كليفورنيا وتكساس ونيومكسيكو.  ثالثا، حاربت اسبانيا، وطردتهامن مستعمراتها في اميركا الوسطي والجنوبية.

ومثلما قاد صحافي حملة نشر الحرية بالقوة داخل اميركا، قاد صحفي حملة نشر الحرية بالقوة خارج اميركا.  كان هذا هو وليام هيرست، صاحب جريدة "نيويورك جورنال" التي نشرت، في سنة 1895، صور جنود الاحتلال الاسباني يقتلون ويعذبون سكان كوبا.  وكتب هيرست: "كيف نقدر على ان ننام بالليل، وجيراننا يعذبون ويقتلون؟  كيف يسمح لنا ضميرنا بذلك؟" ودق هيرست طبول الحرب في اثارة بالغة (استفاد من "تكنولوجيا" نشر الصور في الصحف، وبدأ  ما اصبح يعرف ب "الصحافة الصفراء").

وفعلا، نزلت القوات الاميركية في كوبا، وحررتها من الاحتلال الاسباني (لكنها بقيت هناك لخمسين سنة اخرى، ولا تزال آثار بقائها في وجودها في قاعدة "غوانتنامو").

ثم حررت الفيليبين من الاحتلال الاسباني (لكنها بقيت هناك لخمسين سنة اخرى، ولم تخرج من قاعدة "كلارك" العسكرية الا قبل سنوات).

 

"المانفستو الشيوعي":

 

بعد ان انتقل النقاش من نشر الحرية داخل اميركا الى نشرها خارج اميركا، جاءت مرحلة ثالثة، وهي الدفاع عن الحرية خارج اميركا عندما تتعرض للخطر.  وتمثل ذلك في خطرين كبيرين:

اولا، النازية التي كانت سبب دخولها الحرب العالمية الثانية. 

ثانيا، الشيوعية التي كانت سبب دخولها الحرب الباردة.

من المفارقات ان كارل ماركس كتب "المانفستو الشيوعي" سنة 1848، بعد ثلاث سنوات من كتابة الصحافي الاميركي اوسليفان لشعار "مانفستو القدر".  طبعا، لم يكن اي واحد منهما يعرف في ذلك الوقت ما كتب الثاني، ولم تنتشر فكرة كل واحد الا بعد سنوات كثيرة.  لكن، سيطرت الفكرتان، لأكثر من مائة وخمسين سنة بعد كتابتهما، على السياسة العالمية.

دعا ماركس لتغيير العالم على ثلاث مراحل: اولا، ثورة الطبقة العاملة.  ثانيا، تغيير النظام البرجوازي، وتاسيس دكتاتورية الطبقة العاملة.  ثالثا، تأسيس نظام بدون طبقات.

في سنة 1919، بعد ستين سنة من "المانفستو الشيوعي"، حقق لينين الفكرة، واسس النظام الشيوعي في روسيا.  وفي نفس السنة، ارسل خطابا الى شارلز روزنبرغ، مثفف اميركي يهودي، وزعيم الحزب الاشتراكي الاميركي (حزب صغير جدا، فيه عدد كبير من اليهود).  واقترح عليهم الانضمام الى الحركة الشيوعية العالمية، وكانت تلك بداية الحركة الشيوعية في اميركا.

وهكذا، جاء "المانفستو الشيوعي" الى بلد "مانفستو القدر"، متحديا.

 

الاشتراكية والحرية:

 

لكن، لم ينجح الحزب الشيوعي الاميركي ابدا، وفشل في ادخال عضو في الكونغرس، او في مجلس ولاية تشريعي.  

غير ان الافكار الاشتراكية والشيوعية صارت جزءا من نقاش المثقفين الاميركيين حول معنى الحرية، ونشرها، والدفاع عنها.  وردد اشتراكيون وشيوعيون شعارات مثل "الحرية من الجوع" و "حرية الاميركيين اولا".  (اشار الشعار الاخير الى التفرقة العنصرية ضد الزنوج.  واشترك يساريون، وخاصة يهود، في مقاومة هذه التفرقة). 

وطبعا، كان سقوط الاتحاد السوفيتي، ونهاية سيطرة الحزب الشيوعي السوفيتي دليلا على "المانفستو الشيوعي" لم يقدر على الانتصار على "مانفستو القدر."

والآن، بعد هجوم 11 سبتمبر، عاد النقاش عن الحرية والقوة.  ودعا مثقفو "نيوكون" (المحافظون الجدد) الى نشر الحرية بالقوة في الشرق الاوسط.  واستعمل بعضهم عبارة الرئيس بوش:"اذا لم نهزم الارهابيين في شوارع بغداد، سنحاربهم في شوارع نيويورك".

ونشرت مجلة "ويكلي ستاندارد" الاسبوعية المحافظة ما اسمته "مسودة المانفستو الاسلامي".   وقارنت بينها وبين "المانفستو الشيوعي".  واشارت الى شعارات مثل: "الاسلام هو الحل" و "اعادة بناء الخلافة الاسلامية" و "استغلال حرية الغرب لهزيمته".  لكن، كان واضحا ان المجلة (التي تساند المحافظين الجدد) تريد اثارة سياسية وفكرية اكثر من بداية نقاش جاد.

وهناك نقطتان عن هذا الموضوع:

اولا، لا توجد وثيقة جادة اسمها "المانفستو الاسلامي".  ثانيا، يركز كل المثقفين الاميركيين تقريبا في الوقت الحالي على ان المسلمين المتطرفين خطر على الحرية (في بلادهم وفي الغرب)، ولابد من هزيمتهم، ولا داع لنقاش فكري معهم. 

حتى الآن!

هل ستكون المواجهة التالية بين "مانفستو القدر" و "المانفستو الاسلامي"؟