Dr. Salman M.A.Salman: Nile Waters

 

سودانيون في اميركا (5):

 

سلمان محمد احمد سلمان:

 

كيف ستقسم ماء النيل اذا انفصل الجنوب؟

 

وماذا سيحدث للاتفاقية مع مصر؟

 

واشنطن: محمد علي صالح

 

حذر خبير سوداني في قوانين المياه من مزيد من التعقيدات في العلاقات بين شمال السودان وجنوبه بسبب الموارد المائية، اذا انفصل الجنوب. 

وحذر د. سلمان محمد احمد سلمان، مستشار قوانين المياه في البنك الدولي، بأن انفصال الجنوب، اذا حدث، سيخلق مشاكل كثيرة، منها تقسيم مياه النيل بين الدولتين، ومستقبل قناة جونقلي.

في جانب، ربما يري الشماليون ان التقسيم يجب ان يقتصر على مياه النيل الابيض فقط لأنها تمر عبر الجنوب، وليس مياه النيل الازرق لأنها تأتي من اثيوبيا.  في الجانب الآخر، ربما يرى الجنوبيون ان تقسيم ثروة البلاد الوطنية يجب ان يأخذ في الاعتبار مياه النيل الازرق وروافد نهر النيل الاخرى.

 

من هو؟:

 

ولد سلمان في رفاعة، سنة 1948، ودرس في مدارس رفاعة الاولية، والمتوسطة، والثانوية.  ونال بكالريوس القانون من جامعة الخرطوم، وماجستير ودكتواره القانون من جامعة ييل (في ولاية كونيتيكت).

عمل استاذا في كلية القانون في جامعة الخرطوم، ثم خبيرا قانونيا في الصندوق الدولي للتنمية الزراعية (ايفاد) في روما، ثم في البنك الدولي منذ سنة 1983.

وهو احد المدراء في المنظمة الدولية لمصادر المياه (رئاستها في جامعة مكغيل، في كندا)، وعضو في منظمات وهيئات دولية كثيرة منها الاكاديمية الدولية للمياه (رئاستها في اوسلو، في النرويج)، وكذلك لجنة مصادر المياه التابعة لهيئة القانون الدولي (رئاستها في لندن).

كتب واشترك في كتابة تسعة كتب، ترجم بعضها الى اللغات العربية، والانجليزية، والفرنسية، والروسية، والصينية.  وكتب حوالي اربعين مقالا نشرت في دوريات عالمية، او كفصول في كتب.  وتتعلق كتاباته هذه بقوانين المياه الوطنية والدولية، وسياسات ومؤسسات ونزاعات المياه.

متزوج وعنده ثلاث بنات.  ويهوى القراءة والكتابة والسباحة (وليس فقط لتخصصه في المياه).  ماذا يعنى له السودان بعد ان ظل في اميركا كل هذه السنوات؟  قال: "يعني شيئا كبيرا جدا، بدليل ان عائلتي ظلت في السودان للست سنوات الاخيرة، بينما اعمل انا هنا في واشنطن.  لكنى ازور السودان كثيرا، ربما ما جملته سنتين خلال الست سنوات الاخيرة."

"زي المويه":

 

لاحظ سلمان، بعد سنوات كثيرة من التخصص في قوانين الماء، عدم تقدير الناس بصفة عامة، والسودانيين بصفة خاصة، لأهمية المياه.  واشار الى اقوال سودانية، مثل: "امتحان مويه" و "ود المويه" (الذي لا يلتزم بشئ معين).  والى المقررات المدرسية التي تصف الماء بأن "لا طعم، ولا شكل، ولا لون، ولا رائحة لها".  وقال انه وصف سلبي، واشار، في الجانب الآخر، الى الآية القرآنية الكريمة: "وجعلنا من الماء كل شئ حي."  والتي تعطي المياه مكانها الحقيقي في الحياة.

وقال ان الناس، في كل مكان، لا يقدرون اهمية المياه، رغم انها اساس الطعام والشراب والنظافة ومصدر الطاقة، ووسيلة مواصلات، ومخزن مخلفات ونفايات.  ومنها الاسماك والاحجار الكريمة، وتشكل الحدود بين دول، وبين ولايات داخل دول، وفيها يترفه الناس بالسباحة، والتجديف، والزوارق، ويغتسلون، ومنهم من يعتبر الماء مقدسا (مثلما في الهند).

وهي ايضا مصدر الهام للكتاب والشعراء والفنانين.  وبسبب التحديات الكبيرة التي تواجه المياه، قررت الامم المتحدة، مؤخرا، ان يكون يوم 22 مارس من كل سنة "يوم الماء العالمي" لزيادة توعية الناس بأهمية الماء. 

 

"الكرة المائية":

 

وقال ان 70 في المائة من الكرة الارضيه ماء، و30 في المائة ارض.  ولهذا، يتندر خبراء الماء بأنها يجب ان تسمي "الكرة المائية".  تشكل نسبة 97 في المائة ماء مالحة.  وتبقى نسبة ثلاثة في المائه عذبة. 

لكن، توجد نسبة 99 في المائة من هذا الماء العذب مجمدة في القطبين الشمالي والجنوبي.  او في احواض جوفية عميقة لا يمكن الوصول اليها حاليا.

وبالتالي، تشكل نسبة اقل من واحد من عشرة من واحد في المائة الماء الصالح للشرب.

تدور هذه النسبة الصغيرة دورتها الطبيعية: تتبخر، وتصير سحابا، وتمطر، وتعود الى البحر او باطن الارض، ثم تتبخر او تتسرب مرة اخرى، ولا تزيد ولا تقل، "حتى يرث الله الارض وماعليها."

 

المياه المشتركة:

 

هناك 300 نهرا تتقاسم ماءها دولتان او اكثر:  

تتقاسم 16 دولة نهر الدانوب، و10 دول نهر النيل، و9 دول نهر الكونغو، و8 دول نهر زمبيزي، و8 دول نهر الامازون، على سبيل المثال.

لكن، لا توجد اتفاقيات دولية تنظم هذه التقسيمات.

ومياه النيل مثال لذلك: وقعت دولتان فقط (السودان ومصر) من عشرة دول على اتفاقية، سنة 1959.  لكن، تواجه هذه الاتفاقية بعض المشاكل:

تحصل مصر على نسبة اكبر من الماء دون غيرها.  وتستعمل مبدأ"الحقوق المكتسبة" (تملك نصيبا اكبر لأنها ظلت تفعل ذلك).  ولا تخفي بقية الدول رفضها لذلك، وتفضل مبدأ "الانتفاع المنصف المعقول".

ولأول مرة، وفي سنة 1997، اتفقت دول العالم على معاهدة للمياه المشتركة.  وافقت على الاتفاقية 103، وصدقت عليها 15 دولة فقط.  وعارضت بعض الدول، منها:

الصين (لأن انهارا تنبع هناك، وتنساب الى دول مجاورة).  وتركيا (لأن نهري دجلة والفرات ينبعان فيها، وينسابان الى العراق وسوريا).  وبورندي (لأن فيها تتجمع اول قطرات نهر النيل). 

وتحتاج الاتفاقية الى مصادقة 35 دولة.  وبالتالي، لم تدخل الاتفاقية حيز التنفيذ بعد.

وبسبب وجود عدم مساواة في تقسيم المياه، ظهر شعار حقوق الانسان المائية.  وظهرت محاولات ضمان الحقوق المائية للطبقات الفقيرة والمعدمة والمهمشة.  ويختص احد كتب سلمان بمسألة حقوق الانسان المائية.

 

زيادة السكان:

 

وقال سلمان انه لابد من آليه لحسم الخلافات بين الدول حول الماء، خاصة لأن عدد سكان العالم يرتفع بنسب متزايدة.  كانوا بليون ونصف بليون قبل مائة سنة، وهم الأن يفوقون الستة بلايين، وسيكونون تسعة بلايين سنة 2050.

تعاني ثمانون دولة نقصا حادا في الماء.  وتعاني نصف المياه الصالحة للشرب من التلوث.  ويموت سبعة مليون شخص، كل سنة، من امراض لها صلة بالماء، مثل الملاريا، والبلهارسيا، وامراض المعدة.

وتأتي، بالاضافة الى هذا كله، الموجة الحرارية، والتصحر، والجفاف: توجد انهار لم تعد تصل الى بحار.  وتوجد بحار وبحيرات انخفضت احجامها، مثل بحيرة تشاد (بنسبة خمسين في المائة عما كانت عليه سنة 1950)، ومثل بحر آرال (بنفس النسبة).

وتتعقد المشكلة لأن هناك دولا تستهلك نسبا اعلى من الماء بالمقارنة مع عدد سكانها.   يستهلك الاميركي 90 جالون في اليوم، ويستهلك الاروبي 53 جالون، ويستهلك الافريقي خمسة جالونات فقط.

ويستهلك الاسرائيلي خمسة اضعاف ما يستهلك الفلسطيني.

 

مياه السودان:

 

وحذر سلمان من "صورة قاتمة" تهدد الامن المائي في السودان.

وقال ان النيل الازرق يحمل 52 بليون متر مكعب من الماء سنويا، والنيل الابيض 30، ونهر عطبرة 12.  ويفقد التبخر في السد العالي 10، ويفقد انتقال الماء 10، ويبقى 74.  وحسب اتفاقية سنة 1959، ينال السودان 18.5، وتنال مصر 55.5.

لكن، هناك عدة عوامل تؤثر على استعمال هذه الكميات، منها: ازدياد السكان، والطمى، والتلوث.

في سنة 1956، كان سكان السودان 12 مليون شخص، وهم الآن 40 مليون.  وكان سكان الخرطوم ربع مليون، وهم الآن قرابة 10 مليون.  وزادت النفايات والتلوث.  وزاد الزحف الصحراوي، والتغييرات المناخية، وتدهور مستوى ادارة المياه.

واشار سلمان الى اخبار نشرت مؤخرا في صحف سودانية تؤكد ذلك: 

قال خبر في جريدة "السوداني": "تعاني بورتسودان من نقص حاد في ماء الشرب والامداد الكهربائي، مما عطل  الحركة التنموية فيها، ودفع بعدد من سكانها للهجرة منها.  وقال خبر آخر في نفس الجريدة: "قررت هيئة المياه بولاية نهر النيل ايقاف ضخ مياه الآبار في شبكة الدامر بعد تصاعد شكوى المواطنين بوجود رائحة كريهة وكائنات دقيقة ترى بالعين المجردة."

وظهر التصحر كواحد من اسباب مشكلة دارفور "بدون التقليل من العوامل الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية."

واشار سلمان الى مشكلة اخرى، وهي ضعف الطاقات المؤهلة لادارة وتخطيط المشاريع المائية: ضعف الامكانيات التكنولوجية، وغياب المعلومات الدقيقة.

 

خزانات قديمة وجديدة:

 

وقبل الكلام عن خزانات جديدة في السودان، تكلم سلمان عن الخزانات القديمة، والتي تعاني من نقص في قدرتها على تخزين الماء (بسبب تراكم الطمي)، وقدرتها على توليد الكهرباء (بسبب الطمي ومشاكل فنية):

1. سنار (بنى سنة 1925): فقد اكثر من نصف طاقتي التخزين والتوليد.

2.  خشم القربة (سنة 1964): فقد اكثر من نصف طاقتي التخزين والتوليد.

3.  الرصيرص (سنة 1966): فقد اكثر من نصف طاقتي التخزين والتوليد.

4. جبل اولياء (سنة 1937): لتخزين الماء فقط، وفقد دوره بعد بناء السد العالي، ويعاني من مشكلة التبخر، وهناك فكرة لتوليد الكهرباء منه.

وعن الخزانات الجديدة، اشار سلمان الى خزان مروي (الشلال الرابع) الذي يكلف بليوني دولار تقريبا.  وقال انه يواجه مشاكل مثل: اعادة توطين سكان المنطقة التي ستغمرها الماء.  واغراق الآثار التاريخية.  والمشاكل البيئية.

وقال ان هناك سدودا مقترحة على نهر النيل، مثل: كجبار (الشلال الثالث، وحيث اشتبكت الشرطة مع مواطنين معارضين، وقتلت عددا منهم).  وسد دال (الشلال الثاني).  وعلى نهر عطبرة: بردانة، والرميلة، كمحاولتين لحل مشكلة خزان خشم القربة، وذلك بحجز الطمي.  "لكن، يقول خبراء ان الامل في اعادة طاقة خشم القربة ضعيف."

 

مستقبل العلاقات بين الشمال والجنوب:

 

قال سلمان ان اتفاقية نيفاشا (سنة 2005) التي اوقفت الحرب الاهلية بين الشمال والجنوب) وضعت موضوع المياه المشتركة تحت مسئولية الحكومة المركزية.  واذا انفصل الجنوب، ستكون هناك احد عشرة دولة تشترك في ماء النيل.  وستثار من جديد، وبطريقة اكثر الحاحا اتفاقية سنة 1959 بين السودان ومصر. 

وقال سلمان ان هناك عدة اسئلة ستثار: ماذا سيكون وضع الاتفاقية؟  كيف ستقسم الماء مع حكومة الجنوب المستقل؟  ما هو مستقبل قناة جونقلي؟

وقال ان هناك ايجابيات لقناة جونقلي، منها: تخفيض التبخر، وتخفيص امراض مثل الملاريا، وزيادة المياه المتوفرة.  ولكن هناك، ايضا، المشاكل البيئية، ومشاكل المجموعات التي ستتاثر بالقناة. 

توقف العمل في القناة مع بداية التمرد الاخير، ودمرت الاليات التي كانت تستخدم في حفرها.

وقال سلمان ان رسالة دكتوراه جون قرنق، زعيم جنوب السودان الراحل، كانت عن القناة.  وان طرح قرنق ركز على ان تكون القناة مشروعا لتنمية المنطقة ومعالجة مشاكل التخلف والفقر فيها، وليس فقط لنقل المياه الى الشمال ومصر.

واخيرا، قال سلمان: "بدات دول حوض النيل تهتم اكثر بماء نهر النيل، مع كل الدلائل السياسية والاستراتيجية والجغرافية.  واذا انفصل الجنوب، سيزيد المسالة تعقيدا."