USís Moderate Arab Friends

الحلم الاميركي والسودان (27): الوسط العربي

 

كتاب جديد في اميركا عن الوسط العربي

 

خلط بين الوسط كفكرة، والوسط كحكومة.

 

واشنطن: محمد علي صالح

 

مؤخرا، صدر عن مطبعة جامعة ييل كتاب "الوسط العربي: وعد بالاعتدال" الذي كتبه الاردني مروان المعشر.  كان صحافيا، ثم دبلوماسيا، ثم سياسيا، والآن خبير في البنك الدولي.  ولعشرين سنة، تنقل بين الاردن وواشنطن:

اولا، عمل  في صحيفة "جوردان تايمز".   ثم في وزارة الاعلام الاردنية.   ثم مستشارا لرئيس وزراء الاردن.  ثم جاء الى واشنطن، مديرا للمركز الاعلامي الاردني.  ثم عاد الى الاردن، دبلوماسيا في وزارة الخارجية.  وفي سنة 1995، صار اول سفير للاردن في اسرائيل.  وبعد سنة، صار وزيرا للاعلام.   ثم عاد الى واشنطن، سفيرا.  ثم عاد الى الاردن، وزيرا للخارجية.  ثم نائبا لرئيس الوزراء، عدنان بدران.  ثم عضوا في البرلمان الاردني.

وفي السنة الماضية، عاد الى واشنطن مرة اخرى، خبيرا كبيرا في البنك الدولي.

لهذا، يظهر اول سؤال: هل كتب المعشر هذا الكتاب عن "الوسط العربي" كصحافي يهتم بالامانة الصحافية،  او كسياسي يهتم بمصالحه؟

وتزيد اهمية هذا السؤال لان اميركيين اشادوا بالكتاب.  قال شارلز هيل، في جامعة ييل: "اظهر المعشر شجاعة وهو يقدم رأيا عقلانيا، ومعتدلا في الشرق الاوسط."  وقال آل كامين، في صحيفة "واشنطن بوست": "هذا كتاب ممتاز".  وقال ديفيد اغناتيوس، كاتب عمود في نفس الصحيفة، وصديق المعشر: "كتاب صدر في الوقت المناسب."

 

كتاب فكري؟:

 

لكن، ليس كتاب "الوسط العربي" دراسة عن "الوسط العربي"، بقدر ما هو عن حياة المؤلف الرسمية. 

ليس فيه نقاش فكري عن الوسط العربي: معناه، وخلفيته، ومكوناته، ونظرياته.  ولا عن التداخلات الفكرية بين الوسط العربي في جانب، والعلمانية، والاسلام، والمسيحية، في الجانب الآخر.  ولا عن الخلافات والتيارات داخل الوسط العربي. 

ورغم ان الكتاب تحدث عن المنافسة بين الوسط العربي والاسلاميين لكسب الشعوب العربية، لم يناقش افكار الاسلاميين.  ولا دور الفكر الاسلامي في تاريخ المنطقة.  

وفي الجانب الآخر، لم يتحدث عن علاقة الوسط العربي بالشيوعيين، والاشتراكيين، والناصريين، والبعثيين.  ولم يسأل اسئلة هامة، مثل: هل الوسط العربي حرام على الاشتراكيين؟  هل ينتمي اليه الناصري والبعثي والقومي العربي؟

وفي الجانب الآخر، هل الوسط العربي حرام على الاسلاميين؟  هل يقدر المسلم الملتزم ان يكون وسطا؟  هل يقدر الوسطي العربي ان يكون متدينا؟  وماذا عن "الوسطية الاسلامية"؟  ام هل الوسط العربي يقتصر على العلمانيين؟  ومن هم العلمانيون؟  على الطريقة الاروبية، او الاميركية؟  الذين يريدون فصل الدين عن الدولة؟   او الذين يريدون فصل الدين عن الحكومة.

 

اماكن ووظائف:

 

يتكون جزء كبير من الكتاب عن الحياة الرسمية لصاحبه.  وهو يتنقل من مكان الى مكان، ومن وظيفة الى وظيفة.

لكن، لا يمكن التقليل من الحياة الرسمية للمؤلف.  ومن دوره في خدمة وطنه.  وفي مفاوضات السلام بين الاردن واسرائيل.  وفي تقوية العلاقات بين اميركا والاردن.

لكن، حتى في السرد الرسمي، غابت عن الكتاب خلفية كاتبه الصحافية.  لم يكشف اسرارا.   ولم ينشر تفاصيل من اجتماعات وراء ابواب مغلقة بين حكام العرب ومسئولين اميركيين.  ولم يقل شيئا مثيرا.

انتصرت وظيفة المؤلف الرسمية على فضوله الصحافي.  وجاءت الاحداث رسمية اكثر منها شخصية.  ماعدا في مكانين او ثلاثة:

في سنة 2004، خلال اجتماع بين الملك عبد الله والرئيس بوش.  كتب: "كان  بوش مشغولا بحرب العراق.  وعندما غير الملك الحديث الى المشكلة الفلسطينية الاسرائيلية، قال بوش فجأة: اصابتني هذه المشلكة بالمرض."

وفي سنة 1996، عندما وصل الى اسرائيل كأول سفير لبلاده، كان يريد ان يرفض. خوفا على نفسه وعائلته، وغضبا على اسرائيل، وترددا امام "الحاجز النفسي."  لكنه ذهب.  وعندما ذهب، قرر ان يقدم خدمة لوالدته الفلسطينية.  وكتب:

"والدتي فلسطينية من حيفا، وهربت من امام الغزو الاسرائيلي سنة 1948 ... كانت دائما تحدثنا عن منزلها في حيفا، وتحمل  صورة المنزل ... بعد ان صرت سفيرا في اسرائيل، طلبت من سائق سيارة السفارة ان يأخذني الى عنوان المنزل في شارع الملك فيصل في حيفا.  لكننا لم نعثر على شارع بهذا الاسم، لأن كل الاسماء غيرت الى اللغة العبرية.  وبعد ان سألنا، عرفنا ان شارع الملك فيصل صار شارع "يهودا هايامت" ... وحسب الوصف والصورة، وجدت نفسي اقف امام المنزل.  ونظرت من خلال النافذة، وتخيلت والدتي داخله تؤدي واجبها المنزلي ... وغمرني احساس عاطفي لا اقدر على وصفه."

 

الخط الرسمي:

 

حتى في السرد الرسمي في الكتاب، لم يقدر المعشر على ان يحيد عن الخط الرسمي لحكومته. 

كتب مرة: ""يوم 22 يوليو، قابلت محمود عباس، وقلت له ان بوش التزم بتاسيس دولة فلسطينية خلال ثلاث سنوات.  لكنه اشترط اجراء اصلاحات رئيسية.  ولا يريد التعامل مع عرفات." 

وما قال المعشر هل يتفق مع الرئيس بوش على مقاطعة عرفات؟  وكيف يقاطع رئيس دولة رئيس دولة اخرى؟  وطبعا، لم يقل كيف ايد بوش الانتخابات التي فازت فيها منظمة "حماس"، ثم رفض الاعتراف بحكومة حماس؟

وكتب مرة: "منذ البداية في اسرائيل، قررت الا اكون سفير بروتوكول، مثل السفير المصري ... وان اركز على القضايا الحقيقية بين بلدينا."  ولم يقل ان مصر تعمدت ان يكون سلامها مع اسرائيل سلاما باردا.  ولم يقل ان السلام بين مصر واسرائيل كان اصعب منه بين الاردن واسرائيل.

هذه هي عناوين فصول الكتاب:

دور الاردن المتغير.  اول سفير في اسرائيل.  آخر ستة شهور في حياة الملك حسين. المبادرة العربية.  خريطة الطريق.  قمة العقبة.   خطاب بوش الى شارون.  الحائط الاسرائيلي.  الاصلاح العربي.  هل هناك امل للوسط العربي؟

 

الفصل الاخير:

 

اكثر الفصول التي تحدث فيها المعشر عن "الوسط العربي" كان الفصل الاخير.  واول جملة فيه كانت: "بعد سنوات من الآن، عندما يكتب تاريخ الشرق الاوسط، هل سيكون عنوانه: فشل الوسط العربي؟  او بعث جديد للوسط العربي؟"

لكنه خلط بين الوسط العربي كفكرة، وبينه كحكومة.  وخاصة بالنسبة لوطنه الاردن.   تحدث عن مفاوضات الوسط للسلام مع اسرائيل.  وعن واقعية الوسط.  وعن مبادرات الوسط.  وصار واضحا انه يتحدث عن السياسة الخارجية للاردن، وللدول العربية التي تتحالف معها.

ربما كان يجب ان يكون عنوان الكتاب: "مذكرات دبلوماسي اردني".  او "العلاقات الاردنية الاميركية."  وحقيقة، فيه معلومات كثيرة ودسمة عن هذه المواضيع.

 

نقد حكومات الوسط:

 

  في اماكن قليلة، انتقد حكومات الوسط، وغير الوسط.  قال: "تردد الانظمة العربية في اجراء اصلاحات، يؤثر على مصداقية هذه الانظمة  في سياساته الداخلية والخارجية."

وقال ان حديث هذه الانظمة العربية عن "التعايش" و "الاعتدال" و "التنوع" في عاقتها مع اسرائيل يجب الا يقتصر على اسرائيل فقط، ويجب ان يشمل الوضع الداخلي في هذه الدول.  وسأل: كيف تريد الحكومات العربية المصالحة مع اسرائيل، ولا تريد المصالحة مع الذين يعارضونها في الداخل؟

واعترف بأن كثيرا من الشعوب العربية ترى ان "واقعية الوسط العربي" ليست الا "مهادنة اميركا"، لا  انهاء الاحتلال الاسرائيلي، وتأسيس دولة فلسطينية.

لكنه، وهو الموظف الحكومي، لم يعط المعارضة داخل الاردن حقها.  ولم ينصفها. 

قال ان استفتاء اجرته جامعة الاردن اوضح ان ستين في المائة من الاردنيين ضد التطرف الديني.  ولم يشر الى استفتاءات مركز "بيو" الاميركي التي قال واحد منها: "رغم ان الاردن الدولة الرابعة في قائمة المساعدات الاميركية، قال ثلاثة ارباع الاردنيين ان نظرتهم لاميركا سلبية. "

 

الاحزاب الاسلامية:

 

باسم الوسط العربي، شن المعشر هجوما عنيفا على الاحزاب والمنظمات الاسلامية في الدول العربية. 

قال ان التغيير يجب ان يكون "علمانيا ونخبويا".  لكنه اعترف بأن العلمانيين والنخبويين "بدون تنظيم، وبدون حشود، وبعيدين عن القواعد الشعبية." وان الذين يرفعون لواء التغيير هم الاسلاميين.  وان على الوسط الا "يكتفي بالحديث عن الديمقراطية في الجامعات ومراكز البحث."  وقال: "لابد من الشجاعة لمواجهة الاحزاب الاسلامية ... انهم احتكروا الحقيقة ... ويقولون ان كل من يعارضهم يعارض الله ... حتى الآن، فشل التقدميون في الرد على ذلك ..."

ما هو الحل؟  ومن هو المسئول؟

قال المعشر ان اميركا واسرائيل هما المسئولتان.  لماذا؟  لأنهما "تنتهجان سياسات تثير غضب الشعوب العربية."  يعني ذلك انه اذا لم تغير اميركا واسرائيل سياساتهما، سيفشل الوسط.

واشار الى "مبادرات السلام مع اسرائيل".  وقال ان امريكا اهملتها، ولم تضغط على اسرائيل لقبولها.  وبالتالي، "وجد الوسط نفسه في موقع دفاعي."

واضاف: "اذا اهملت اميركا الوسط العربي، واذا تصرفت وكأنه غير موجود، سيختفي.  سيسقط  بسبب التعب، او سيهزمه المتطرفون."

وكتب المعشر في اخر فقرة في آخر فصل الآتي:

"يدعو هذا الكتاب العرب والاسرائيليين لقبول التعددية بدلا من التصميم على التدمير ...  سينجح الوسط اذا تحقق هذا، واذا تخلص من صورته وسط الشعوب العربية بأنه يقدم الاعذار لاميركا ... " 

ولم يقل المعشر لماذا يقدم الوسط العربي الاعذار للسياسة الاميركية في الشرق الاوسط التي تعارضها اغلبية الاميركيين، ناهيك عن اغلبية العرب والمسلمين؟

مممممممممممممممممممممممممممممممممممم

تعليق (1):

منذ قبل استقلال السودان، منذ حزب الاشقاء بقيادة اسماعيل الازهري، ظل الوسط في السودان يبحث عن اسس قوية يقف عليها.وحتى اليوم.ليس دينيا (مثل الانصار، والختمية، والاسلاميين).وليس علمانيا (مثل الشيوعيين، واليساريين، والبعثيين، والقوميين العرب).ربما يحتاج الى زعيم مثل الازهري.  يعرف كيف يناور ويحاور.  واهم من ذلك، لا يشك احد في حبه للحرية.(لم يؤيد الازهري اي حكومة عسكرية، ناهيك عن ان يتحالف معها، وناهيك عن انينضم اليها).

تعليق (2):

صار الوسطالسوداني احسن منالوسط العربي.لانه استمتع بالحرية من وقت لآخر.ولأنه ضحى في سبيل الحرية.كانت ثورة اكتوبر (سنة 1964)، وثورة ابريل ( سنة 1985) ثورتا وسط اكثر من كونهما ثورتي يمين ديني، او يسار علماني.

تعليق (3):

لا يملك الوسط العربي الشجاعة ليضحي في سبيل الحرية.بل بالعكس، ظل يتحالف مع حكومات دكتاتورية، واحدة بعد الاخرى، في بلد بعد الآخر.ووصل به الحال ان يصدر مروان المعشر، وزير خارجية اردني سابق، كتابا في اميركا يقول فيه للاميركيين انه يتحدث بأسم الوسط العربي.