“Librating” Muslim Women

 

الحلم الاميركي (19):

 

"تحرير" المرأة المسلمة

 

ماذا كتبت خمس استاذات جامعة اميركية مسلمات؟

 

واشنطن: محمد علي صالح

 

يوم 17-11-2001، بعد شهرين من هجوم 11 سبتمبر، وبعد شهر من بداية غزو افغانستان، وحسب خطة مسبقة "لكسب قلوب وعقول" الشعب الافغاني، القت لورا بوش، السيدة الاولى، خطابا في التلفزيون للشعب الاميركي قالت فيه: "بسبب انتصاراتنا العسكرية في جزء كبير من افغانستان، لم تعد النساء سجينات منازلهن.  صرن يقدرن على ان يستمعن الى الموسيقى، ويدرسن بناتهن بدون خوف" 

واضافت: "الحرب ضد الارهاب هي، ايضا، حرب ضد اضطهاد المرأة."

بعد سنوات من خطاب لورا بوش، قالت د. ليلى ابو لغد، استاذة علم الاجتماع في جامعة كولمبيا ( بنت د. ابراهيم ابو لغد، استاذ جامعي اميركي فلسطيني راحل): "اسأل اسئلة اساسية: ما هي اخلاقيات ما يسمى الحرب ضد الارهاب؟  وما هي صلة حرب الارهاب باخلاقيات المرأة في افغانستان؟  وماذا فعلت بها الحرب؟  هل حررتها وانقذتها، كما وعدت؟"

سألت ابو لغد هذه الاسئلة في بداية بحث كتبته، مؤخرا، عن هذا الموضوع.  وهي ليست جديدة على اوضاع المرأة العربية والمسلمة: لأن هذا مجال تخصصها. ولأن كتابها، "فيل سنتيمنتز" (عواطف حجابية، عن البدويات المصريات) هو رسالة الدكتواره التي كتبتها قبل ثلاثين سنة تقريبا. 

 

الانثوية:

 

اعترفت ابو لغد أنها تؤيد حركة "فيمينيزم" (الانثوية) التي تدعو لمساواة المرأة بالرجل في كل شئ.  وتؤيد، ايضا، حركة "ترانسناشونال فيمينيزم" (الانثوية العالمية) التي تشمل المراة في افغانستان، وغيرها من الدول الاسلامية.  وتريد مساواتها بالرجال في هذه الدول في كل شئ.  

ايدت الانثويات دعوة لورا بوش ل"تطوير" المرأة في افغانستان.  لكن، صار واضحا ان هذا تحالف غير مقدس: 

في جانب، لا يؤيدن لورا بوش لانهن، طبعا، انثويات.  

وفي الجانب الآخر، ولنفس السبب، لا تؤيدهن لورا بوش.  ولم تشر اليهن (ناهيك عن ان تشيد بهن) عندما تحدثت عن "تحرير" المرأة في افغانستان.  والسبب هو انها (وزوجها)  من الجناح المحافظ في الحزب الجمهوري، المعادي للانثوية، وبقية الاتجاهات التقدمية.  والذي لا يدافع عن تحرير المرأة الاميركية، ناهيك عن المرأة المسلمة.  

 

نساء ملونات:

 

ينتمي بوش وزوجته الى المحافظين الذين ينظرون في استعلاء عابر الى كل من ليس جمهوريا، وكل من ليس ابيضا: رجالا ونساء.  لا يشتمون، ولكنهم يغمزون.  ويستعملون اوصافا مثل "كالارد وومين" (نساء ملونات)، اشارة الى كل امراة غير بيضاء (سوداء، او سمراء، او صفراء).  وكأن البياض ليس لونا.  

ولهذا ترى كثير من النساء غير البيضاوات ان هذا الوصف غير مقبول، ان لم يكن مسيئا.

ولم تستغرب "النساء الملونات" (ومنهمن ابو لغد) عندما استعمل بوش وصف "كافارد وومين" (نساء مغطيات) في وصف النساء المسلمات.  كان يقدر على ان يقول "فيلد وومين" (نساء محجبات) مثل نساء افغانستان.  لكنه استعمل وصف "نساء مغطيات" لانه يظن ان كل امرأة لا تلبس مثلما تلبس المرأة الغربية، ولا تكشف جسمها مثل ما تكشف المرأة الغربية، لابد ان تكون "مغطية"، حتى اذا كان "الغطاء" طرحة، او ثوبا.

وقالت ابو لغد: "كانثوية في الغرب، احس بعدم ارتياح، ليس فقط لان سياسة بوش وزوجته نحو نساء افغانستان خطأ او صواب.  ولكن، ايضا، لان نظرتهما للنساء الملونات والمغطيات، كلهن، فيها استعلاء واضح." 

وقالت: "تدعو كل جوانب حرب الارهاب لعدم الارتياح."

 

هنديات:

 

ليست ابو لغد اول كاتبة نسائية (او انثوية) تحس بعدم الارتياح لمثل هذه الغمزات واللمزات.  ولا اول واحدة تتذكر ان سياسة بوش وزوجته نحو نساء افغانستان (وبقية المسلمات) ليست جديدة في تاريخ العلاقات بين الغرب والشرق.

غاياتري سبيفاك استاذة جامعية اميركية هندية.  وكتبت كتبا كثيرة، آخرها: "نقد لمنطق مابعد الاستعمار".  قالت فيه شيئين:

اولا، كان مؤسسو الفكر الاروبي (مثلا: كانت، وهيغل) عنصريين، وتعالوا على الشعوب غير الاروبية، واحتقروها. 

ثانيا، اثروا على الفكر الغربي المعاصر.

كتبت سبيفاك عن "تحرير" الدول الغربية للمرأة المسلمة خلال اكثر من مائتي سنة من الاستعمار والاحتلال.  وكتبت: "اعتقد الرجل الابيض انه يقدر على انقاذ المرأة السمراء من الرجل الاسمر." 

واشارت، وهي المولودة في الهند، الى انه، مثلما تركز اميركا على البرقع في افغانستان، ركزت بريطانيا، قبل اكثر من مائة سنة، على احراق الارامل في الهند.  ومثلما تستعمل اميركا ذلك عذرا "لتطوير" المرأة الافغانية، استعملت بريطانيا احراق الارامل عذرا "لتطوير" المرأة الهندية.

 

مصريات:

 

وكرر التاريخ نفسه في مكان آخر: في مصر. 

وكتبت عن ذلك ليلى احمد، اميركية مصرية، تعمل الآن استاذة الدراسات النسائية والدين في كلية هارفارد للدراسات الدينية.  ولدت في هيلوبولس، قرب القاهرة، ودرست في بريطانيا، وجاءت الى اميركا استاذة في جامعاتها. 

كتبت قصة حياتها في كتاب مذكراتها: "عبور الحدود: من القاهرة الى اميركا."  وقالت انها ولدت في عائلة برجوازية مسلمة، وهربت مع والدها من مصر عندما سقطت الملكية (سنة 1952).  لكن، انتصر اسلامها على برجوازيتها.  ومن قلعة اكاديمية عملاقة في اميركا، تدافع عن الاسلام الحقيقي. 

اهم كتبها: "النساء في الاسلام: جذور تاريخية لنقاش معاصر."

كتبت في واحد من كتبها عن "الانثوية الاستعمارية"، وقالت ان البريطانيين الذين حكموا مصر مع منتصف القرن التاسع عشر ركزوا على حجاب المرأة المصرية، وقالوا انه دليل على "التأخر". 

لكن، قالت ليلى احمد ان تلك السياسة لم تخلو من نفاق ومتناقضات.  وان اللورد كرومر، حاكم مصر البريطاني، كان، في الحقيقة محافظا (اكثر من بوش وزوجته).  وعارض منح المرأة البريطانية حق التصويت في الانتخابات.

وسألت ليلى احمد: "كيف يقدر من يقف في وجه تطور المرأة في بلده على تطوير المرأة في بلد مستعمر؟"  واضافت: "ليست الانثوية الاستعمارية  غير عذر للغربيين ليسيطروا على نساء (ورجال) الشعوب التي استعمروها."

 

دعوات مسيحية:

 

وكانت هناك خلفية دينية (مسيحية)، ليس فقط لسياسة كرومر نحو نساء مصر، ولكن، ايضا، لوجود كرومر في مصر، ولاستعمار بريطانيا لمصر.

وقالت ليلى ابو لغد انها تحتفظ بمحضر مؤتمر عقد في القاهرة سنة 1906 عن ما اسماهن المؤتمر:"شقيقاتنا المسلمات."  عنوان المؤتمر: "صرخة انقاذ من بلاد الظلام: من افواههم."

وجاء فيه: "هذه قصة حزينة، ومكررة، عن الظلم والخطا.  وعن طلب النجدة والانقاذ.  هذا نداء للنساء المسيحيات لاحلال النور مكان الظلام."

وعلقت ليلى ابو لغد: "بعد مائة سنة، ننظر حولنا، ونسمع نفس النداء.  صحيح، انه ليس نداء مسيحيا.  ولا يتحدث عن عيسى المسيح.  انه نداء علماني.  ويتحدث عن حقوق الانسان والليبرالية.  لكنه، مثل سابقه، تدخل اجنبي استعلائي."

 

خلع الحجاب:

 

"خرجت، امس، مظاهرة تأييدا لاستمرار بقاء القوات الاجنبية.  واعترافا بفضلها في تطور البلاد.  اختلط الرجال بالنساء خلال المظاهرة.  وكان هناك رجال من القوات الاجنبية، ومعهم زوجاتهم.  وتضامنت الزوجات مع نساء البلد.  وهتفن كلهن للحرية والتحرر.  وتقدمت النساء الاجنبيات، ونزعن الحجاب من على بعض نساء البلد، وسط هتافات الجانبين..."

لم يحدث هذا في افغانستان.  (ربما كان سيحدث لو امر بوش وزوجته قائد القوات الاميركية في افغانستان بترتيب مثل هذه المظاهرة).  حدث هذا يوم 16-5-1958، وفي الجزائر.  ونعم، رتب المظاهرة قائد القوات الفرنسية هناك، بالتعاون مع فرنسيين استوطنوا في الجزائر ( خلال استعمار استمر 130 سنة).

اشارت الى هذا الحادث د. مارنيا ازرق (جزائرية المولد، واستاذة في جامعة مدينة نيويورك، وخبيرة اجتماعية في البنك الدولي) في كتابها "فصاحة الصمت."

واشارت، ايضا، الى وفد اطفال جزائري زار فرنسا سنة 1851، وعاد الى الجزائر، وانشد في مهرجان كبير: "يا فرنسا التي تحمينا، يا فرنسا التي تكرمنا.  الارض النبيلة التي استمتعنا فيها بالحرية.  تحت سماء مسيحية صلينا لربنا."

وقالت مارنيا ازرق: "اثار شئ معين اهتمام الفرنسيين عندما حكموا الجزائر: المرأة، والمرأة، والمرأة.  اعتقدوا ان فرنسة الجزائريات ستفرنس كل الجزائريين."

 

ثقافة الملابس:

 

وقالت ليلى ابو لغد ان بوش وزوجته يخلطان بين الثقافة والسياسة.  وبين "البرقع" و "طالبان". 

واضافت: "ظن الاميركيون، لانهم يخلطون بين الثقافة والسياسة، أن المرأة الافغانية ستنزع "البرقع" بمجرد سقوط حكومة "طالبان".  حتى الاميركيات الليبراليات، وحتى الاميركيات الانثويات، ظنن ان الافغانية سوف تلبس الجينز، وتكشف سرتها، وترتدي فساتين "شانيل."

وقالت ان الموضوع ليس بهذه البساطة.  وتحدثت عن ثقافة الملابس، وقالت انها  تاريخية (تعتمد على موروثات، وتقاليد).  وجغرافية (تعتمد على حرارة الطقس، او برودته).  واخلاقية (تعتمد على مبادئ دينية، او غير دينية). 

من بين هذه المبادئ احترام المرأة لنفسها، رغم ان تفسير "احترام" يختلف من ثقافة الى اخرى.

تلبس المرأة انواعا مختلفة من الملابس لسببين: للراحة، وللاحترام. 

الراحة نسبية: عندما يأتي الصيف، تغير الاميركية ملابس الشتاء الثقيلة الى ملابس الصيف الخفيفه.  وعندما تعود الى المنزل، تغير الافغانية ملابس الشارع الطويلة الى ملابس المنزل القصيرة.

والاحترام نسبي: البرقع، او الحجاب، او اي غطاء راس "مقبول" للافغانية عندما تخرج من منزلها.  ولبس الفستان الطويل "مقبول"  للاميركية عندما تذهب الى دار الاوبرا، او تحضر حفل زفاف.

(تلبس بعض الاميركيات ملابس شبه عارية.   تمردا، او موضة، او سأما، او لاغراء للرجال.  ولكن هذا موضوع آخر).

 

ملابس "متحررات":

 

وسألت ليلى ابو لغد: اي الملابس النسائية اكثر "تحررا": الافغانية، او الاميركية؟ وقالت ان "البرقع"، في نظر المرأة التي ترتديه "تحرر"، لأنه:

اولا: يعزلها من الرجال كما تشاء هي (لا كما يشاءون هم). 

ثانيا: يقيها من اذى الرجال ونظراتهم (ما دامت لا تريدها هي). 

ثالثا، تقدر على ان "تختلط" بالرجال (بطريقتها الخاصة)، وتمشى في الاسواق والاماكن العامة.

تفسر المرأة الافغانية الملابس "المتحررة" كما تريد، وتقصها وتخيطها كما تريد.  لكن، تشترى المرأة الاميركية ملابس جاهزة، ولهذا، تتأثر بتفسير بيوت الازياء للملابس "المتحررة". 

ومن هنا جاء تعبير "دكتاتورية الموضة".  تغير بيوت الازياء الاميركية الموضة كل سنة (او كل موسم).  وتحاول الاميركيات تقليدها، ويتنافسن في ذلك، ويتفاخرن، وتفوز اللائي عندهن مالا اكثر من غيرهن.

وسالت: هل افضل "دكتاتورية الموضة" او "حرية البرقع"؟

 

صباح محمود:

 

وايضا، كتبت عن هذا الموضوع صباح محمود، اميركية مصرية، والآن استاذة علم اجتماع في جامعة كاليفورنيا في بيركلي.  وخاصة في كتاب: "سياسة التدين: الصحوة الاسلامية والانثوية"، والذي استفادت فيه من سنوات قضتها تدرس المسلمات في المساجد المصرية. 

تخصصت في علم "هابيتس" (الممارسات اليومية كجزء من الثقافة غير المكتوبة).  وفرقت بين الايمان العقلى والممارسات البدنية.  وقالت انها وجدت ان المسلمات المصريات يمارسن طقوسا دينية ليبرهن على طاعة الله (بالاضافة الى طاعة الله الروحية).  واشارت الى الصلاة، والصيام، وطقوس الفرح والحزن، وادخال عبارات دينية في الكلام، والكتابة (حتى بدون التفكير فيها).  وقالت ان هذه امثلة لما اسمته "ممارسات اخلاقية."

وقالت ان زيادة لبس الحجاب وسط المصريات واحدة من هذه الممارسات الدينية، او "الممارسات الاخلاقية".  وان المرأة التي تلبس الحجاب لا تفعل ذلك لمجرد ان تغطي جسمها، او تتحاشي عيون الرجال، او تعلن انها اسلامية او اصولية.  ولكن لأنها، في اعماقها، ترى الحجاب نوعا من انواع العبادة، ودليلا (لها هي، لا لغيرها) على تقربها من الله.

 

نحن وهن:

 

وحذرت ليلى ابو لغد زميلاتها الاميركيات الانثويات والليبراليات: "اصرارنا على تحرير المرأة الافغانية يخلق لنا مشكلتين: الاولى: ماذا اذا "حررناها"، ثم اصرت على ان ترتدي البرقع؟  الثانية: لماذا نريد "انقاذ" اللآخرين؟"

وقالت انها، طبعا، مع الحرية والتطور والتحديث.  ومع انتقاد الخطأ، والفساد، والظلم، في الثقافات الاخرى.  لكنها تلاحظ ان الاميركيين لا يحترمون الثقافات الاخرى.

يقول مثل اميركي: "عش ودع غيرك يعش".

وسألت: "هل تحتاج المرأة المسلمة لمن ينقذها؟"  وسالت: "من ماذا؟"  واجابت: "اصرار الاميركيين على انقاذ المرأة المسلمة يدل على استعلاء له جذور قديمة".  وقالت: "لابد من مواجهة هذا الاستعلاء."

واشارت الى نقطتين:

الاولى: استعمرت الدول الغربية كثيرا من الدول الاسلامية لمئات السنين.  وكانت تقدر على ان "تطور" المراة (مثل فتح مدارس للبنات).  ولهذا، يتحمل الغرب جزءا من مسئولية "تأخر" المرأة في الدول الاسلامية.

الثانية: بالنسبة لأميركا، تقدر، بدلا عن "الحل العسكري"، تنفيذ "الحل الانساني".  تقدر على توفير التعليم، والصحة، للنساء المسلمات.  وتقدر على رفع ظلم الحكام، ليس فقط عن النساء المسلمات، ولكن، ايضا، عن الرجال المسلمين.