3. Dr. Abdullahi Galab: First Islamist Republic

 

 

سودانيون في اميركا (3):

 

 

د. عبد الله جلاب:

 

"الخرطوم مثل بيروت عشية الحرب الاهلية "

 

حشود الجماعات المسلحة في العاصمة قد تهدد باندلاع عنف مسلح في أي وقت

 

واشنطن: محمد علي صالح

 

قال د. عبد الله جلاب، استاذ سوداني في جامعة ولاية اريزونا الاميركية، ان الحروب في السودان انعكست على الوضع في العاصمة الخرطوم، حيث تجمعت، خلال سنوات، قوات خاصة وجيوش تابعة للجماعات الاقليمية والعرقية المتنازعة مع الدولة. 

وحذر من ان  ذلك  قد يهدد باندلاع عنف مسلح في أي وقت ، لأن الخرطوم "صارت مثل بيروت عشية الحرب الاهلية فيها."

وقال ان هذه الجماعات "لا تثق في النظام، ولا في الدولة التي يمثلها النظام.  ولذلك جاء كل واحد مع جيشه بعد توقيع إتفاقيات السلام، ومعه اسلحته الثقيلة، والخفيفة، لحماية نفسه."  

واضاف: "صار الخوف يسيطر على المجتمع السوداني، إذ يمكن لأي حادثة عابرة  ان تقود إلى اعمال عنف شاملة."

وانتقد جلاب حكومة الرئيس عمر البشير، وقال انها "تريد ان تبقى، ولهذا وضعت استراتيجية اتفاقيات منفصلة مع الجماعات المسلحة التي عارضتها في البداية." وقال ان من اسباب التوتر:

اولا، دخلت الجماعات المعارضة في "شراكة غير متساوية" مع حكومة البشير. 

ثانيا، تحقق "سلام غير كامل"، لم يلق دعم الشعب السوداني، ولا الاحزاب السياسية كلها. 

ثالثا، انتقل قادة المعارضة "المسلحة" الى الخرطوم،"المدينة التي يحبون ان يكرهونها"، "والتي  كانوا ينظرون اليها كقلعة اضطهادهم."

 

كتاب جديد:

 

قال جلاب ذلك في كتابه الجديد: "الجمهورية الاسلامية الاولي: تطور وانهيار الاسلاموية في السودان" الذي سيصدر في أكتوبر القادم من دار آشقيت البريطانية ذات الشهرة في كتب البحوث الأكاديمية عامة، والدراسات الاسلامية والشرق أوسطية خاصة. 

ووصفت دار النشر الكتاب بأنه: "يضيف بعدا جديدا للحوار الاكاديمي والسياسي عن الاسلام السياسي في نطاق السياسة الحديثة في السودان، والشرق الاوسط، والعالم الاسلامي."  وان الكتاب "اعتمد على عمل ميداني مكثف داخل وخارج النظام."  وانه يركز "على التطور النظري ونمو الاسلاموية، ويخاطب التغيير الكبير في حقل الاسلام السياسي.  ويجب ان يقرأوه علماء السياسة والاجتماع المهتمين بالدين والشرق الاوسط، وافريقيا."

وقالت عن الكتاب الدكتورة كارولين فلور لوبان، استاذة علم الاجتماع في كلية روود آيلاند:

"دخلت التجربة الاسلامية في السودان مرحلة جديدة حرجة مع نهاية 22 سنة من الحرب الاهلية مع الجنوبيين غير المسلمين.  ومع تحول مشكلة دارفور لمشكلة دولية.  ومع حاجة الحكومة الى التراجع لتسهيل انتاج البترول مع حلفيتها الصين."

واضافت: "حلل جلاب في دقة، وكأنه يعمل بمبضع جراح، انهيار الاسلاموية في السودان."

 

من هو؟:

 

ولد عبد الله احمد جلاب في مدينة بارا، في شمال كردفان، ودرس المرحلتين الاولية والمتوسطة في بارا، والثانوية في خور طقت.  ونال بكالريوس من جامعتي الخرطوم وبوسطن، والماجستير والدكتوراه من جامعة بريغام يونغ (ولاية يوتا) الاميركية

وعمل في ميادين الصحافة، والدبلوماسية، والإعلام في السودان، ولبنان، وبريطانيا، قبل أن ينتقل إلى المجال الأكاديمي في الولايات المتحدة.

في الماضي صدر له ديوان شعر باسم "مزامير".  وكتابات عدة في الصحف السودانية، والعربية، والامريكية، والدوريات العلمية.   واكمل أخيرا هذا الكتاب، "الجمهورية الاسلامية الاولى".  ويعكف على اكمال كتاب جديد عنوانه "تأجيل المجتمع المدني: القبضة الثلاثية للعنف في السودان ".

زوجته هي د. سعاد تاج السر، استاذة في جامعة ولاية اريزونا  ولهما ولد، أحمد، وبنتان: عزة، وشيراز. وقد أهدى الكتاب الى والده احمد عبد الله جلاب، ووالدته عزة احمد حبيب.   يهوى القراءة.

كيف ينظر الى السودان من اميركا؟  اجاب: "انعكاس النفس في مرآة تاريخ الحاضر."

 

الكتاب:

 

ينقسم الكتاب الى عشرة فصول منها: "الاسلاموية في السودان" و"المراحل الاولية للحركة الاسلامية" و "رؤى متنافسة بعد ثورة اكتوبر" و"من المؤسسة الى الانقلاب" و "الجمهورية الاولى: الشيخ وجماعته" و "دعوة للجهاد" و " نهاية الجمهورية الاولى" و "الطريق الى دارفور" و "إسلاموية بدون الترابي، وسلطوية بدون النميري."

بدأت "الجمهورية الاسلاموية الاولى"، كما اسماها الكتاب، يوم 30-6-1989، عندما وقع "انقلاب عسكري قادة ضابط غير معروف اسمه عمر حسن احمد البشير، و أسقط حكومة الصادق المهدي المنتخبة ديمقراطيا."  استمرت هذه الجمهورية حتى سنة 1999، "عندما تخلص البشير وحلفاؤه من حسن الترابي، وبدأوا الجمهورية الاسلاموية الثانية."

وقال جلاب ان عشر سنوات مضت قبل ان يعترف"الترابي اعترافا كاملا بأنه وحزبه خططوا ونفذوا كل مرحلة من مراحل الانقلاب.  وقال انه هو الذي، فعلا، امر البشير بأن يذهب الى القصر، بينما يذهب هو الى السجن."

 

انقلاب او ثورة؟:

 

هل ما حدث كان ثورة او انقلابا؟

اوضح جلاب ان هناك اكثر من رأي:

قال ان اغلبية السودانيين تتفق على ان ما حدث سنة في السودان 1885 كان "ثورة"، عندما حررت المهدية البلاد من الحكم الاجنبي.  لكن "عددا قليلا جدا في السودان اليوم يمكن أن يقول ان ماحدث في سنة 1989 كان ثورة، حتى وسط الاسلاميين انفسهم."

ماذا يقول آخرون؟

يعتقد وليام روز، واليزا فان دستين، كما يتضح من عنوان مقالهما: "ثورات السودان الاسلامية كسبب في التدخل الاجنبي"، ان ماحدث سنة 1989 كان "ثورة". 

ونوه صمويل هننتغتون، في كتابه "صراع الحضارات"، الى ذلك عندما تحدث عن  "مشاكل كبيرة بسبب تصدير السودان ثورة اسلامية الى دول غير مسلمة، او فيها مسلمون، مثل اثيوبيا.  او تصدير نوع معين من الاسلام الى دولة اسلامية مثل مصر."

وكان ستيفن والت واضحا في كتابه "ثورة وحرب" الذي قال فيه: "السودان هو النظام الثاني بعد ايران الذي يجهر بتبني مبادئ اصولية."  واضاف: ان "ماحدث هو اكثر من انقلاب عسكري.  ان لم تكن ثورة، فانها مثل ثورة."

 

"اسلامي او اسلاموي؟":

 

ويفرق جلاب بين الحكم الاسلاموي في السودان وفي ايران. 

واشار الى نقطتين:

اولا، عرف وصف "اسلاموي" بأنه "ينطبق على حركة قادها متعلمون لهم صلة بالتعليم النظامي."  لهذا، هناك اختلاف بين الحركات الاسلاموية السنية و"حركة الاسلام الشيعي السياسي التي بدأها الملالي ورجال الدين".  اسست الاولى الجامعات، واسست الثانية الحوزات.

ثانيا، "يعتمد التكوين التنظيمي للحركات الاسلامية السنية على اطار سياسي مشترك، ولا يتبع هرما مركزيا مثلما يفعل الشيعة."

لكن، قال جلاب انه، في الحالتين: السودانية والايرانية، "لابد من وضع خط واضح بين الاسلاموية كنظرية، وبين الاسلام كدين."

من هم الاسلاميون؟

قال: "لا يوجد تعريف متفق عليه عالميا."  واضاف: "اسلاميون"(اسلاميست) هو "خيار مؤكد لعقيدة اسلاموية، لا وصفا لمن ولد مسلما."   وقال فريد هوليداي، في كتابه "هل الاسلام في خطر؟" ان الاسلاميين "جماعات معارضة وحركات اسلامية.  ومن يوصفون بأنهم اصوليون واصوليون جدد." 

لكن، قال جلاب ان الناس في العالمين العربي والاسلامي يفضلون وصف "الاسلام السياسي"، لأن "اساس هدف هذه الحركات هو سياسي ووضعي."  لكنهم، كما قال جلاب، "يستعملون القرآن والحديث بطرق انتقائية لتبرير مواقفهم."

وفضل جلاب الا يستعمل وصف "فندامنتاليزم" (الاصولية)، وقال انها وصف عام في نطاق الاوصاف الدالة على حركة مسيحية بعينها قامت في الولايات المتحدة في وقت ما، وان "اي تفسير في هذا النطاق يعكس الذاتية، لا الموضوعية الاسلامية."

 

بيوت الاشباح:

 

قال جلاب ان هناك ثلاث اخطاء اساسية في تجربة الاسلامويين السودانيين:

اولا: كان "وصولهم الى الحكم عن طريق إنقلاب عسكري."
ثانيا: اسسوا "نظاما شموليا يقوم على القهر، واستغلوا الفرصة لاثراء انفسهم". 

ثالثا، "تحولوا من "مثقفين فقراء الى طبقة وسطي مالكة.  وتحولت الحركة من مجموعة سياسية صغيرة الى مؤسسة."

واستغرب جلاب ان يفعل ذلك الذين كانوا، من دون غيرهم من الحركات الاسلامية في الدول الآخرى، قد "استمتعوا بالحرية خلال العهود الديمقراطية، مثلهم مثل غيرهم من التنظيمات السياسية الأخرى" في السودان.

لكنهم، عندما وصلوا الى الحكم، بدأوا سلسلة من الكبت، والعداء، والموت، والدمار (مثل بيوت الاشباح).

وقال جلاب ان الترابي "مثل ابطال الأساطير المأسويين، انتهي به الأمر بأن دمر نفسه والحركة الإسلامية."  وانه قضى في قيادة الحركة وقتا اطول مما يجب، ولهذا، وجد كثير من انصاره الفرصة ليعيدوا تقييمه. 

والأن يحاول "كل جانب من الإسلامويين القضاء على الثاني بنفس الاساليب التي تعلموها خلال الفترة التي كانوا يستعملون فيها هذه الاساليب ضد اعدائهم."

 

انقسامات اخرى:

 

وقال جلاب إن الاسلامويين شهدوا، خلال خمسين سنة، انقساما بعد آخر. 

لكن، كان الانقسام الاخير، في سنة 1999، اكثرها "أثراً ودماراً" للحركة الإسلامية ككل، لأنه ادى الى عواقب وخيمة.  وغاب "الشيخ" الذي لم يعرف تلاميذه "ماذا يفعلون بدونه.  وانتقلوا من قيادة الشيخ الى قيادة الجنرال.  من اسلاموية بدون الترابي الى سلطوية بدون النميرى.  لهذا، لن يمر وقت طويل قبل ان تزول قوة الجنرال مثلما زالت قوة جنرالات اخرين قبله."

وقال جلاب ان الترابي "نجا من انقلاب القصر ضده، واسس حزبه خلال وقت قصير، وظل يقدم نفسه كرجل غاضب يريد  الانتقام."  لكن، "يبدو انه لم يبق له شئ غير كشف الممارسات الفاسدة لحوارييه السابقين".  وكتاب الترابي: "السياسة والحكم: النظم السلطانية بين الأصول وسنن الواقع"، من فترة اعتقاله الأخيرة، "يوضح انه يريد ان يكشف للعالم ان الشخصية الدكتاتورية لاعدائه هي التي منعته من ان يكون ديمقراطيا لانه اصلا كذلك"

وخلص جلاب الى ان هذه الممارسات، من هذا الجانب او ذاك، كانت سبب "نفور جيل سياسي كامل داخل وخارج الحركة، بعد ان ادخل الانقلاب قادة الاحزاب والنقابات وغيرهم السجون بصورة جماعية.  واختفى البعض تحت الارض، وهرب آخرون الى الخارج."

 

من حركة الى "مؤسسة":

 

قال جلاب ان عدد المنشقين من الحركة الاسلامية في زيادة مستمرة. 

وقال ان بعضهم يقدمون انفسهم كناقدين غاضبين، ويريدون تبرئة انفسهم بالدفاع عن ما فعلوا. 

لكن، كان حالهم سيكون افضل لو أنهم "ارتفعوا عن مستوى توترهم وغضبهم ذلك، وبداوا في تقديم شئ مفيد للحوار الوطني.  وتقديم رؤياهم لمستقبل حركتهم،  وتعريف الحركة الاسلامية.  وهل هي مجموعة مثقفين تقودهم شخصية جذابة لن تدوم؟"

وقال جلاب ان الحركة الاسلامية تحولت من تنظيم عقائدي الى "مؤسسة تطمع في الثروة والسلطة ."  وانها، بعد انقلاب سنة 1989، تحولت الى طمع فردي، وساعدت على نمو ثقافة طمع كانت لها نتائج وخيمة على السودان.

 

"اولاد فقراء الريف":

 

وقال جلاب: كانت "اول ضحايا ذلك نفس الدولة التي جاءت باولاد فقراء الريف والمدن، ورعتهم، وعلمتهم، وعالجتهم."  ونزعت التغييرات الرأسمالية التي جاءت بها "المؤسسة" البساط من تحت اقدام كثير من المواطنين، حتى صار الفقر طبقة اقتصادية واجتماعية عريضة.  

واعلن جلاب: "هذا فشل اخلاقي.  تستمر قسوة وظلم النظام في زيادة الفقر.  ويمكن التأكد من ذلك من خلال اعين الذين في اسفل السلم، الذين يعانون من الفقر."

وسأل جلاب في آخر سطور الكتاب: "الا يكفى الاسلامويين السودانيين والمتعاطفين معهم هذه التجربة القاسية الطويلة؟  هل سيجلسون مع غيرهم للاتفاق على وسيلة تحرر الدولة، وتجنب البلاد تكرار مثل هذه التجربة؟"

واجاب: "يجب الوصول الى اجابات، قبل ان يضع السودان خلفه تاريخا من الصراع والتجريب ، ويتحرك نحو مستقبل بعيد عن مآزق عقائدية ومذهبية مشابهة  لتلك التي كانت وبالاُ على البلاد والعباد بما فيهم الاسلامويين أنفسهم."