Globalization of the Hamburger 

الحلم الاميركي (21): عولمة الهامبيرغر:

 

... والبتزا، والكوكا كولا، والبيبسي كولا، والتاكو، ودجاج كنتاكي، الخ ...

 

واشنطن: محمد علي صالح

 

مؤخرا، صدر كتاب "مأدبة متحركة: عشرة آلاف سنة من عولمة الطعام"، الذي كتبه كينيث كيبيل، استاذ في جامعة "بولينغ غرين ستيت" (ولاية اوهايو).  قبل هذا الكتاب، كتب، او اشترك في كتابة كتب، عن نفس الموضوع.  منها: "تاريخ وثقافة الطعام" و "تاريخ وثقافة الامراض" و "اطعمة وامراض الرقيق السود."

قسم الكتاب الى اقسام، حسب انواع الاطعمة، مثلا: القمح، الذرة، البطاطس، الماعز، الخروف، الخ ... وقدم مصدر، وتاريخ، وتطور كل واحد.

وفي حديثه عن "المأدبة المتحركة" (عولمة الطعام)،  اشار الى الاكل الاميركي من جانبين:

في جانب، غزته اكلات عالمية.  وفي الجانب الآخر، بدأ هو يغزو العالم.

في الحقيقة، ليس الاكل الاميركي الا خليطا من اكلات اجنبية جاء بها، خلال مئات السنين، المهاجرون: 

جاء مع بريطانيين "ستيك" (لحم البقر).  ومع فرنسيين "فرنش فرايز" (شرائح بطاطس مقلية).  ومع المان "هامبيرغر" (لحم مفروم).  ومع ايطاليين "بتزا" (فطيرة بالفرن).  ومع سويديين "سويديش ميت بولز" (كفتة مكورة).  ومع روس دجاج "كييف" (صدر دجاجة محشو بالجبنة).  ومع بولنديين "كلباسه" (سجك).  ومع اسبان "باييا"(ارز بلحوم مختلفة).  ومع صينيين دجاج "هونان" و "سشوان" (قطع دجاج وخضروات).  ومع يابانيين "سوشي" (منه سمك نيئ).  ومع مكسيكيين "تاكو" (فطيرة داخلها لحم).  ومع يونانيين "جيرو" (شاورمه).  ومع اتراك "شيش كباب" (لحم مشوي).  ومع لبنانيين حمص، وبابا غنوج، وفلافل، وشاورمه، ولحم مشوي ايضا. 

وتنازع يونانيون واتراك وعرب حول هوية هذه الاكلات المشتركة.  (ثم انضم اليهم يهود، قالوا ان الحمص والفلافل من ايام بني اسرائيل).

وبالاضافة الى هؤلاء المهاجرين، وخلال الثلاثين سنة الماضية، بسبب سياسات وحروبات اميركية، جاء لاجئون جدد.  وجاءت معهم اكلات جديدة: جاءت مع فيتناميين "فو" (شوربة).  وجاء مع افغانستانيين "شيش كباب" ايضا.  وربما قريبا، سيجيئ مع لاجئين عراقيين سمك مشوي، مثل الذي يصطادونه من نهر دجلة، ويشوونه على ضفافه في بغداد.

والذي يدخل "سيوبرماركت" في مدينة اميركية كبيرة، ويذهب الى ركن المخبز، يشاهد انواعا من الخبز من كل العالم تقريبا: "سلايد" (اميركي)، و "بمبرنكل" (روسي)، و"باكيت" (فرنسي)، و"بيتا" (عربي)، و "راي" (يهودي)، و "سكونز" (بريطاني)، و "دانيش" (هولندي)، و "تورتيا"(مكسيكي).  ومؤخرا، "لافيش" من افغانستان.

 

عولمة الاكل الاميركي:

 

لهذا، الاكل الاميركي، بصورة عامة، خليط من اكلات العالم.   لكن، ما يحدث الآن ليس اول عولمة للاكل الاميركي، ولا اول امركة للأكل العالمي. 

قبل اكتشاف اميركا، لم يكن العالم يعرف الديك الرومي (الحبشي)، والذرة، وحبوب زهرة الشمس، والبطاطس.  ولم تكن اميركا تعرف القمح، والماعز، والخراف.

الآن، وحتى قبل سنوات قليلة، لم يعرف الباكستانيون "البتزا" الايطالية.  ولم يعرف المصريون دجاج "سشوان" الصيني.  ولم يعرف الروس ساندوتشات "تاكو" المكسيكية.  لم يعرفونها، حتى صدرتها لهم شركات المطاعم الاميركية.

مؤخرا، فتحت شركة "بتزا هت" الاميركية مطعما في شارع شلدرغاس، في كولون (واحد من خمسين مطعما تابعا لها في المانيا).  وفي جزيرة رودس (واحد من اربعين مطعما تابعا لها في اليونان).  وفي فندق "انتركونتننتال" في مكة المكرمة (واحد من ستين مطعما تابعا لها في السعودية).

وفتحت شركة دجاج "كنتاكي" مطعما قرب ميدان "تيانانمين" في بكين (واحد من الفي مطعم لها في الصين).  وفي اسيوط (واحد من ثلاثين مطعما لها في مصر، منها عشرون في القاهرة).  وفي شارع رويال اووك في اوكلاند (واحد من عشرين مطعما لها في نيوزيلندا).

وفتحت شركة "ماكدونالد" مطعما في شارع الشرفية في جدة (واحد من سبعين مطعما لها في السعودية).  وفي الدرة في بيروت (واحد من عشرين مطعما لها في لبنان).  وفي شارع بونشسكايا في موسكو (اكبر مطعم في العالم، وواحد من مائتي مطعم لها في روسيا).

 

تطبيع الهامبيرقر:

 

بالاضافة الى نقل اكل شعب الى شعب آخر، تحاول شركات الطعام الاميركية تطبيعه عندما لا يرتاح له الشعب الآخر.

لا تقدم شركة "بتزا هت" اي  لحم خنزير او زيت جنزير في مطاعمها في الدول الاسلامية.  وتقدم "بتزا كوشر" (على الطريقة اليهودية) في اسرائيل.  و"بتزا سمك التونة" في اليابان.  و"بتزا بدون لحم بقر" في الهند.  و "بتزا دجاج تيكا" في باكستان.  و"بتزا تاكو" في المكسيك.  و"بتزا جبنة حلومي وجبنة بيضاء" في اليونان.

وتحاول شركة "دجاج كنتاكي" التأقلم  على شهر رمضان في باكستان بتقديم "اوول يو كان ايت" (كل ما تقدر على اكله، بوفيه مفتوح) وقت الافطار.  وتقدم في الصين، بالاضافة الى الدجاج المقلي، بط مقلي، وسلطة من نباتات قاع البحر.  وتحرص في فرنسا، حيث حساسية شيفونية ضد كل ما هو غير فرنسي، على اعلان ان الدجاج ليس مستوردا من اميركا، ولكنه ولد وتربي في فرنسا.

ولا تكتفي شركة "ماكدونالد" بالهامبيرجر الاميركي في مطاعمها في دول العالم الثالث.  تقدم مطاعمها في اندونيسيا "ماك رايس" (ارز ودجاج).  وفي الفليبين "ماك ريبز" (ضلوع خنزير).  ومؤخرا، فتحت الفرع الثاني بعد المائة في تركيا، وقدمت "ماك كباب" (ساندوتش لحم مشوى).

 

عولمة الاعلانات:

 

حرصت شركات المطاعم الاميركية على توحيد تصميم مطاعمها، واثاثها، والوانها، وعلاماتها، وقوائم الطعام فيها، وذلك حتى تستفيد من نظرية "سكيل ايكونوميكز" (اقتصاد زيادة الحجم): تقل التكاليف كلما يزيد البيع. 

ولهذا، تبيع شركة ساندوتشات "ماكدونالد"، مثلا، نوعا معينا من البطاطس في كل مطاعمها.  وتطبق هذه الشركات نفس النظرية على الاعلانات: 

لا تتغير الاعلانات من بلد الى بلد لأن الاكل لا يتغير.  ولا تتغير اللافتات، والملصقات، والصور (غير ترجمتها لكل شعب حسب لغته).  ولا يتغير اغراء الناس بتصوير الساندوتش تصويرا جذابا (غير حذف صور ساندوتشات لحم الخنزير، اذا دعا الحال).  ولا يتغير التركيز على الشباب والشابات (غير تحاشي الملابس القصيرة والقبلات، اذا دعا الحال).  ولا تتغير الكبونات، والتخفيضات. 

واهم من هذا كله، لا تتغير ابتسامات الذين يقدمون الطعام، ولا تتغير عبارات مثل: "كان آي هلب يو سير" (هل اقدر على ان اساعدك ياسيدي).  و"كام باك اقين" (تعال مرة اخرى).

  

اغاني الاكل:

 

"احب ان نجعلك تبتسم" ليس شعارا فقط، لكنه، ايضا، اغنية.  وترجمت الى لغة كل بلد فيه مطاعم "ماكدونالد".  ويعتبر هذا من اسباب نجاح عولمة الاكل الاميركي.  بالاضافة الى انه تجارة، ارتبط بالفن، وبالحب. 

اشتهرت اغنية "وير از ذا ميت؟" (اين اللحم؟) التي توزعها شركة مطاعم "ويندي".  واغنية "يور واي" (على طريقتك) التي توزعها شركة مطاعم "بيرغركينغ".  واغنية "اود ان ابيع لكل واحد في العالم زجاجة كوكاكولا" التي توزعها شركة "كوكاكولا" (تصور اطفالا يقفون على قمة جبل في ايطاليا).

ومع ظهور الفيديو، صارت هذه الاغاني افلاما موسيقية قصيرة.

ولم تعد تصور داخل اميركا فقط.  ولكن في دول اخرى مع اطفال غير اميركيين.  مثل فيديو الاطفال الايطاليين. 

ومثل فيديو اطفال في المغرب، يقفون على قمة جبل.  يسأل طفل: "ماهو طعم كوكاكولا؟" يجيب الثاني: "مثل تقبيل بنت."  وتأتي سيارة من اسفل الوادي، تحمل زجاجات كوكاكولا.  ويتذوقها واحد منهم.  ويسأله زميله: "كيف طمعها؟"  ويجيب الاول:"قلت لك مثل تقبيل بنت."

وهناك اعلان آخر عن "كوكاكولا" صور في قمة لجبال الالب في سويسرا.  يتزحلق اولاد وبنات على الجليد.  وتعثر بنت على زجاجة "كوكاكولا" مدفونة في الجليد.

ويجب الا يقلل اي انسان من اهمية هذه الاعلانات.  لم تقلل مكتبة الكونغرس من اهميتها، ووضعتها في قسم التراث الاميركي.

 

الحب:

 

بالاضافة الى الفن، ارتبطت عولمة الاكل الاميركي بالحب.  بداية بشعار "انا احبه".  ورغم براءة الشعار، يفهمه بعض الناس فهما جنسيا.  وانتقد بعض الناس الشعار لهذا السبب، غير ان الشركة نفت وجود اي مغزى جنسي. 

وقبل ذلك، ثارت ضجة حول شعار آخر، وانتقد بأنه جنسي ايضا: "آي هيت ات". المعني الحرفي هو "اصبت الهدف".  لكن، يفهم كثير من الشباب والشابات هذه الكلمة فهما جنسيا، خاصة لوجود صورة لبنت جميلة الى جانب الشعار.  واضطرت الشركة لسحب الاعلان.

وكتب رتشارد تافلنغر، استاذ في جامعة واشنطن ستيت، ومؤلف كتاب "الجنس والاعلانات": "يوجد هدفان لكل اعلان: اولا: لفت النظر.  ثانيا: الاقناع.  وليس سرا ان الصورة الجميلة تلفت النظر: ورود وزهور، وبلاج، ونجوم لامعة، وجبال خضراء، وبنت جميلة.  وليس سرا ان البنت الجميلة تلفت نظر الرجل اكثر من اي شئ آخر. وذلك لأن الرجل، بطبيعته، لا يفرق كثيرا بين الجنس والبنت الجميلة."

ولكن، هناك مشكلة ثقافية في هذا الموضوع:

يميل الرجل الاميركي نحو التمييز بين الجنس والبنت الجميلة اكثر من الرجل الشرقي.  ولهذا، تبدو صورة بنت جميلة اكثر اثارة للرجل الشرقي بالمقارنة مع الرجل الاميركي.

وانتبهت لهذا شركات المطاعم الاميركية.  وتحاشت اي مغزى جنسي (مثل كشف فخذي البنت، او حتى ساقيها) في اعلاناتها في الدول العربية والاسلامية.

 

مساوئ الاكل الاميركي:

 

لكن، داخل اميركا، تواجه كثير من هذه الشركات الاميركية التي فتحت مطاعم في اكثر من مائة من دول العالم، قضايا قانونية وجماعات ضغط، وحملات شعبية، بل ومظاهرات.  وهناك سببان لذلك:

اولا: عدم صحية بعض انواع الاكل الذي تقدمه (نسب عالية جدا من السكر، والدهنيات، والملح). 

ثانيا: تركيز الدعاية والاعلانات على صغار السن، وخاصة في البرامج التلفزيونية.

وكتب اريك شلوسر، صحافي في مجلة "اتلانتك" الشهرية المحترمة، ومؤلف كتاب "شعب الاكل السريع": "نجحت شركات الاكل في توحيدنا في ما نأكل.  وتريد الأن ان تغزو العالم وتوحده بأسم الاكل الاميركي.  لكنها، قبل ان تفعل ذلك، غيرت صورة بلدنا، وشوهت مناظره باعلانات ترتفع نحو السماء.  وحولت التلفزيونات الى معارض لكل انواع الاكل والشراب.  وزادت السمنة ومرض السكري وضغط الدم والكولسترول.  وتريد الأن ان تفعل نفس الشئ مع شعوب اخرى تقع ضحية امبريالية ثقافية."

  

"لوبي الاكل":

 

في الجانب الآخر، صار "لوبي الاكل" في واشنطن من اقوى جماعات الضغط التي تؤثر على الحكومة، وعلى اعضاء الكونغرس. 

مثل اتحاد المأكولات والمشروبات الذي نشر، مؤخرا، اعلانات تؤيد اعلانات الاكل في برامج الاطفال، باسم "حرية الاختيار".

وهناك مركز "كونسمبشن فريدوم" (حرية الاستهلاك) الذي يعارض ان تكون الحكومة "شرطي اكل".  وشعار المركز هو: "من حقوق الانسان حقه في ان  يختار ما يريد من اكل، وشراب، ومتعة."

ويعارض المركز منع التدخين، وترتيب الطعام حسب قيمتة الغذائية، والحملة ضد السمنة بقوانين حكومية.  لكن، تدور شبهات حول هذا  المركز لأن شركة "فيليبس موريس" لصناعة السجاير هي التي اسسته.

 

عولمة في كل شئ:

 

كتب جول باكان،مؤلف كتاب "كوربوريشن" (الشركة) ان انتشار المطاعم الاميركية في دول كثيرة لا يختلف عن انتشار السيارات، والافلام، والمسلسلات، والقمصان، والجينز، والاحذية الاميركية,  ولا عن انتشار اللكنة والتعابير الاميركية (مثل:"هاي غاي").  و لا عن انتشار  كمبيوتر "مايكروسوفت"، و حبة الجنس "فياغرا". 

وقال انها كلها اجزاء من"باكيدج ديل" (صفقة  واحدة)، فيها الحسن والسئ، والمفيد والمؤذي، والخير والشر.

وقال مؤلف "كوربوريشن" ان العولمة هي، في الحقيقة، الامركة.  وان الحرية الاميركية ليست سياسية فقط، ولكنها اقتصادية واجتماعية (وغذائية ايضا). 

واخيرا، قبل مائة سنة، كان شعار"نيو فرنتيرز" (حدود جديدة) هو تطوير الغرب الاميركي.  والآن صار تطوير الكرة الارضية.  وتطوير مابعد الكرة الارضية. 

في السنة الماضية، ارسلت شركة "بتزا هت"، عن طريق وكالة الفضاء الاميركية (ناسا)، بتزا مجففة الى ملاحي الفاضاء في سفينة الفضاء الدولية.  ومن يدري، اذا اكتشف ان هناك مخلوقات بشرية على سطح المريخ، ربما سترسل لهم، ايضا، بتزا.