2. Dr. Albaqir Mukhtar: Darfur

سودانيون في اميركا (2):

 

د. الباقر العفيف مختار:

 

مشكلة دارفور "نفسية"

 

عنصرية الشماليين، وشعار "اقتل العبد بالعبد"

 

يدخل طلاب دارفور جامعة الخرطوم ويحسون بانهم "غرباء، واقل مكانة"

 

واشنطن: محمد علي صالح

 

قال د. الباقر العفيف مختار، خبير سوداني في حقوق الانسان، في مؤتمر الافارقة والمهاجرين الافارقة الذي عقد، مؤخرا، في ساكرمنتو (ولاية كليفورنيا)، ان السبب الرئيسي للقتال في دارفور هو مشكلة هوية. 

وقال ان مفاوضات ابوجا (في نيجريا) اهملت هذه المشكلة.  وان السلام الدائم لن يتحقق بدون حلها.  وقال: "السبب الحقيقي للحرب هناك ليس سياسيا، او اقتصاديا، او تنمويا.  انه سبب نفسي."

وكتب، في السنة الماضية، بحثا عن نفس الموضوع، وقال فيه نفس الآراء، عندما كان خبيرا زائرا في معهد السلام (الذي يموله الكونغرس) في واشنطن.

وانتقد مختار المعارضة في دارفور لأنها ركزت على ان السبب الرئيسي للمشكلة هو "التهميش".  وقال: "ليست هذه هي الحقيقة.  الحقيقة هي ان التهميش ليس صدفة، لأن السبب الرئيسي هو نظرة تعالي من جانب الوسط."

واستعمل اكثر من وصف لما اسماه "الوسط" في السودان: استعمل اوصاف: "الشماليين" و "اولاد البحر" و "القبائل النيلية" و "القبائل العربية" و "العرب" و "النظام الحاكم".

وسمى سكان دارفور اكثر من اسم: "المهمشين" و "الغرابة" و "اولاد الغرب" و "الافارقة" و "الافارقة السود".

وقال ان اساس المشكلة هو ان "الشماليين" يرون انفسهم "عربا، اي عرق نبيل"، بينما يرون غيرهم "سودا" و "زرقا".

 

من هو؟:

 

ولد مختار في الحوش (سنة 1955).  ودرس في مدارسها الاولية، والمتوسطة، والثانوية.  ونال بكالريوس من كلية التربية في جامعة الخرطوم، وماجستير في دراسات المناهج من نفس الجامعة، وماجستير لغويات من جامعة استون في بريطانيا، ودكتوراه في دراسات الشرق الاوسط من جامعة مانشستر في بريطانيا ايضا.

وقدم معهد السلام مختار بأنه كان منسقا للشرق الاوسط وشمال افريقيا في منظمة العفو الدولية (امنستي). 

وعمل، قبلها، مدير مشروع لللاجئين في مركز "يونغ بيبول" (ناس صغار) في مانشستر، في بريطانيا.  ومستشارا في منظمة "هيوما رايتز ووتش" (مراقبة حقوق الانسان).  ومدرسا للدراسات الاسلامية والشرق اوسطية في جامعة مانشستر متروبوليتان، في بريطانيا.  وللغة الانجليزية في جامعة الجزيرة.  وللغة الانجليزية في مدارس ثانوية سودانية.

ومن الدراسات التي كتبها باللغة العربية: حقوق الانسان عند الاسلاميين، وتدريس حقوق الانسان في الشرق الاوسط وشمال افريقيا.

وقال المعهد ان مختار "لعب دورا حيويا في تقديم مشكلة دارفور على اساس انها مشكلة الهويات المهمشة."  وانه "اوضح لنا ان الهوية العربية كما يعرفها الشماليون وضعت اهل دارفور في الهامش."

 

الجنجويد:

 

وانتقد مختار "الجنجويد" نقدا حادا.  وقال ان هناك ما هو اهم من اسم "الجنجويد"، وهو "الفكر الجنجويدي" الذي وصفه بأنه عنصري جدا. 

وانهم، في هذا، لا يختلفون عن "المرحلين" (من قبيلة البقارة) الذين استخدمهم الصادق المهدي، عندما كان رئيسا للوزراء، "في حرب رخيصة بالنيابة عن الشماليين" ضد قبيلة الدينكا "الافريقية السوداء"، عندما قتلوا آلافا منهم في الضعين (سنة 1987).

وقال ان وراء كل ذلك فلسفة عنصرية هي: "اقتل العبد بالعبد"، اي استخدام سكان الغرب في الحرب ضد سكان الجنوب "بالنيابة عن النظام الشمالي الحاكم."

 

جذور المشكلة:

 

اعتمد مختار على دراسات كتبها سودانيون وغير سودانيين، منها:

اولا، دراسة في جامعة بيرغن، في النرويج، كتبها، في السنة الماضية، عطا البطحاني، استاذ علوم سياسية في جامعة الخرطوم.

ثانيا، دراسة في نفس الجامعة كتبها، سنة 1992، شريف حرير، الذي اشترك في مفاوضات ابوجا، وعنوانها: "عنصرية في قناع اسلامي؟"

ثالثا، دراسة كتبها عبد الله عثمان التوم، استاذ في الجامعة الوطنية في ايرلندا.

كتب البطحاني : "النظام الحالي ليس اسلاميا فقط، ولكنه يحب عروبته، ايضا."  واتفق البطحاني مع مختار على ان الهوية هي الاساس، رغم ان الحكومة "تجاهلتها"، ورغم ان المعارضة في دارفور، "وياللدهشة، لم تصر على ان الهوية يجب ان تكون اساس الحل."

وقال مختار ان سكان دارفور "مسلمون افارقة سود"، وينقسمون الى قسمين:

القسم الاول يتكلم لغات افريقية، لكنهم يتكلمون العربية للتخاطب بينهم (لنغوا فرانكا).  والقسم الثاني "فقدوا منذ زمن بعيد لغاتهم القبلية، وصارت العربية "لغة الام" بالنسبة لهم، واعتبروا انفسهم عربا."

لكنه قال ان تقسيم العرق اهم من تقسيم اللغة (!) 

ولهذا، وضع "العرب" في جانب.  ووضع "الزرقة" في الجانب الآخر، حتى اذا كانت اللغة العربية هي لغة امهاتهم (!)

في جانب "العرب": البقارة، والرزيقات، والزيدية، والمعاليا، وبني هلبة.

وفي جانب "الزرق": الفور، والمساليت، والزغاوة، والميدوب، والسلامات، والبرتي.

 

"الزرق العرب":


وقال مختار ان الانتماء للعروبة قوي وسط ما اسماهم "العرب"، ووسط بعض ما اسماهم "الزرق": 

وان بادي الثالث، ملك الفونج قبل ثلاثمائة سنة، قال انه "عربي من بني امية". 

وان قبائل سودانية كثيرة تنتمي الى عرب الشرق الاوسط.  حتى: النوبة في الشمال، وبعض سكان جبال النوبة، والبجا، والحوازمة، والفور.  و"حتى بعض الزرقة (الزغاوة، والفور، والمساليت، والميدوب، والسلامات، والبرتي)، رغم ان بعضهم لا يزال يتكلم لغات افريقية."

وان بعض هؤلاء ينتمون الى الرسول، او الخلفاء الراشدين، او قبائل مشهورة. 

وان بعضهم يحمل اختاما عائلية ورثوها لتأكيد ذلك.

وان هناك تجارة رابحه في السعودية تبيع للسودانيين اختاما تؤكد انتسابهم الى قبائل في الجزيرة العربية.

ولاحظ مختار الآتي:

اولا، : انتقلت "حمى" الانتساب الى العرب التي اجتاحت القبائل النيلية الى قبائل الغرب.

ثانيا، صارت القبائل النيلية (رغم انها على هامش الهوية العربية الاصلية) مركز الهوية العربية لقبائل الغرب.

ولهذا، "تملك القبائل النيلية سلطة اضفاء العروبة او عدم اضافها على قبائل الغرب."


اعادة تكوين الهوية:

 

وقال مختار ان الحرب في دارفور جعلت بعض "الزرقة العرب" يعيدون النظر في انتمائهم للعرب.  وان ذلك حدث "بطريقة مفاجئة، رغم انهم وامهاتهم يتكلمون العربية."  صاروا افارقة، وانتصرت "الافريقية" (افريكانزم) على اللغة، والاسلام، والثقافة."

لمذا فعلوا ذلك؟  قال:

اولا، ليركزوا على انتمائهم التاريخي لافريقيا.

ثانيا، ليفتخروا  باللون "الاكثر سوادا". 

ثالثا، ليبتعدوا عن "اعدائهم الجدد: العرب".

 

المقررات المدرسية:

 

وانتقد مختار المقررات المدرسية في دارفور.  وقال ان "الدولة التي تمثل الهوية الشمالية، والطبقة الشمالية الحاكمة، تحرص على تعريب دارفور." وان الهدف هو التركيز على "الهوية الشمالية، التي هي اللغة العربية، والتي هي طريقة الحياة الشمالية، والتي هي تاريخ العرب في السودان." 

واتفق مع مختار الذين اعتمد عليهم في دراسته:

اولا، قال عبد الله عثمان التوم: "سموا الفصول على اسم الخلفاء الراشدين، وسموا الداخليات على اسماء النجومي، وابو لكيلك، وعلي دينار (وهو دارفوري)."

ثانيا، قال شريف حرير: جعلت مقرراتهم المدرسية الدارفوري يحس بأنه "بدائي، ومتخلف، ومحرج."

وقال مختار: الذين يأتون الى جامعة الخرطوم من دارفور "يتأكدون بانهم غرباء، ويتاكدون بانهم اقل مكانة".

وانتقد بعض المتعلمين من دارفور الذين انتقلوا الى الخرطوم، و"تعمدوا الاندماج في الثقافة النيلية". 

واشار الى  د. التيجاني حسن الامين، استاذ جامعي، وقال انه "اغترب اغترابا كاملا الى درجة انه قطع كل علاقاته مع ثقافته ومع شعبه."  وقال ان التيجاني قال: "منذ ان انضممت الى ركب الحضارة، لم اذهب الىالغرب."

 

تعليق (1):

 

قبل سنة ونصف، بعد التوقيع على اتفاقية السلام بين الشمال والجنوب، سافر الى لندن د. باقان اموم، الجنوبي، والامين العام للتجمع الديمقراطي.  والقى في لندن محاضرة قال فيها للبريطانيين ان الاتفاقية لن تحل المشكلة بين الشماليين والجنوبيين، لان المشكلة "نفسية، قبل ان تكون عسكرية، وسياسية، واقتصادية."  وقال: "لن تنتهي المشكلة حتى يتوقف الشماليون عن وصفنا بأننا "عبيد".

وهاهو د. مختار (وهو ليس جنوبيا، ولا دارفوريا) يقول للاميركيين ان مشكلة دارفور "نفسية".  ويهاجم الشماليين، ويقول انهم عنصريون، وينظرون في احتقار الى اهل دارفور.  وان الشماليين يقولون "اقتل العبد بالعبد"، اشارة الى تجنيد جنود من دارفور في الحرب ضد الجنوبيين.

 

تعليق (2):

 

قبل اكثر من اربعين سنة، عندما بدأ القس الاميركي الاسود مارتن لوثر كينغ حملة الحقوق المدنية، لم يقل ان المشكلة بين البيض والسود "نفسية".  ولم يشترط على الابيض الا يصف الاسود بأنه "نيقر" (عبد).         

وقبل ثلاثين سنة، اعلنت المحكمة العليا (التي تفسر الدستور) ان حرية الشتيمة جزء من حرية الرأي (مادامت لن تتحول الى عنف).  وان منظمة "الكوكلس كلان" تقدر على التظاهر ضد السود، وعلى شتمهم بأنهم "نيقرز" (ما دامت لن تؤذيهم).  

ويشتم الاميركيين، مثل كل شعوب العالم، بعضهم البعض.  سرا، ان لم يكن علنا: "نيغر" (اسود)، و"كراكر" (ابيض)، و "كايك" (يهودي)، و "سبيك" (مكسيكي)، و "جينك" (آسيوي)، و"ساند نيغر" (عبد صحراوي، عربي).

 

تعليق (3):

 

ويشتم السودانيون، مثل بقية الشعوب، بعضهم البعض.  سرا، ان لم يكن علنا:

"عبد" و "حلبي" و "غرباوي"، و"عربي ابو حوية" و "دنقلاوي حلاب التيس" و "شايقي غتيد" و "رباطابي قطاع" و "ولد امدرمان ال ..."

تتنوع الشتائم.  واكثرها هي شتيمة اللون.  واكثر شتائم اللون هي شتيمة سواد اللون.  ويرجع سبب ذلك الى الصلة التاريخية والجغرافية، في كل العالم، وعبر الاجيال، بين الزيادة في السواد، والانخفاض في الحضارة (العلم والتقدم).  

بدأت الحضارات الاولى في المناطق الدافئة (السمراء)، وبدأت الحضارة الغربية في المناطق الباردة (البيضاء)، ولم تبدأ اي حضارة رئيسية في افريقيا جنوب الصحراء (السوداء).

على اي حال، الذنب هو ذنب الذي يقول ان هويته هو لونه.  لأن هذا يجعله:

اولا، يركز على لونه.

ثانيا، يكون حساسا عند الحديث عن الالوان. 

ثالثا، يحس بالنقص اذا هاجم احد لونه.  

الهوية ليست في اللون، ولكنها في العقل.  واساس الهوية هو الايمان (بالنفس، او  بالله، او بغير ذلك).  ثم تأتي اللغة (لأنها وسيلة الاتصال).  ثم تأتي الثقافة (عادات وتقاليد متوارثة).

والعاقل هو الذي يفصل بين لونه وهويته.  والذي لا يفعل ذلك لا يلوم الا نفسه.