Black’s Color Inferiority 

الحلم الاميركي (23): عقدة اللون

 

كتاب كلارنس توماس، القاضي الاسود الوحيد في المحكمة العليا

 

قال ان لون اساس هويته، ودخل في متاهات، واحرج نفسه (وزوجته البيضاء)

 

واشنطن: محمد علي صالح

 

مؤخرا، صدر كتاب "ماي قراندفاثر صن" (ابن جدي)، الذي كتبه كليرنس توماس، القاضي الاسود الوحيد في المحكمة العليا (التي تفسر الدستور).  ويقصد باسم الكتاب ان والده طلق والدته عندما كان عمره سنتين.  ولم يراه بعد ذلك.  وكانت والدته خادمة، ولم تقدر على تربيته، فارسلته الى بيت والديها.  وبعد وفاة والدتها، تولى والدها تربية حفيده.

رغم ان الجد كان فقيرا، ويكسب رزقه من قيادة سيارات تنقل البنزين، قال توماس انه غرس فيه ما اسماها "القيم المحافظة".  هي التي جعلته محافظا.  وهي التي اقنعته بالانضمام الى الحزب الجمهوري (عكس 95 في المائة من السود الذين ينتمون الى الحزب الديمقراطي).  وهي التي جعلته، الآن، اكثر قضاة المحكمة العليا محافظة.  وهي التي اكسبته، حتى اليوم، عداء كثير من السود، والليبراليين، والصحافيين.

 

مدارس كاثوليكية:

 

كان جد توماس متدينا.  ارسله الى مدرسة "سنت جونز" الكاثوليكية بالقرب من سافنا (ولاية جورجيا).  ثم الى مدرسة "كونسبشن" الكاثوليكية (ولاية ميسوري).  ثم درس في كلية "هولي كروس" الكاثوليكية في ووركستر (ولاية ماساجوستس).  ثم درس القانون في جامعة ييل (ولاية كونيتيكت).  ثم عمل محاميا في مكتب جون دانفورث النائب العام في ولاية ميسورى.  ورغم انه كان كاثوليكيا، تأثر بتدين دانفورث البروتستنتي.  ومثله، انتظم عضوا في الحزب الجمهوري. 

وعندما صار دانفورث سناتورا، جاء معه الى واشنطن، مسشارا قانونيا.  وقابل الرئيس ريغان الذي اعجب به كواحد من سود قلائل ينتمون الى الحزب الجمهوري.  ثم ساعده دانفورث في الحصول على منصب مساعد وزير للتربية.  ثم مديرا لمكتب الفرص المتساوية (بين البيض والسود) في واشنطن.  ثم قاضيا في المحكمة العليا (سنة 1990).

لكن، عارض اعضاء الحزب الديمقراطي في الكونغرس اختياره للمنصب (فاز باغلبية قليلة).  وعارض الاختيار لييراليون، وصحافيون، ومنظمات نسائية.  واهم من ذلك، عارضه كل القادة السود (مثل: القس جيسي جاكسون، والقس آل شاربتون).

 

اتهامات بالنفاق:

 

واتهمه معارضوه بالنفاق:

اولا: رغم انه دخل كلية "هولي كروس" وجامعة ييل بطريقة خاصة (لأنه اسود)،  في وقت لاحق، تنكر لذلك، وقال ان المعاملة الخاصة للسود غير دستورية. 

ثانيا: رغم انه طلق زوجته الاولى، وهو الكاثوليكي الممنوع من الطلاق، قال ان دينه الكاثوليكي يمنعه من تأييد الاجهاض.

قال توماس في كتابه انه تأثر بفيلسوفة، وبفيلسوف:

اولا: ايان راند (اسمها الاصلي: اليسا روزنبلوم): يهودية ولدت في روسيا سنة 1905.  وهاجرت الى اميركا.  ولم تؤمن بنظرية "انديفيديواليزم" (الفردية) فقط، بل وضعت نظرية "اوبجيكتيفزم" (الموضوعية).  وملخصها ان مصلحة الانسان اهم من كل شئ.  وان كل شخص يحدد قيمه الاخلاقية.  ولهذا، يمكن ان تسمى نظرية "الانانية."

ثانيا: توماس سويل، فيلسوف اسود، ويعمل استاذا في جامعة ستانفورد (ولاية كليفورنيا).  ولم يؤمن بنظرية الفردية فقط، بل وضع نظرية  "بلاك انديفيديواليزم" (الفردية السوداء).  ومخلصها ان السود يجب الا يعتمدوا على الحكومة لرفع مستواهم، ولكن على انفسهم.

 

مشاكل السود:

 

يتحالف توماس مع ارمرسترونغ ويليامز، صحافي ومقدم برامج تلفزيونية.  ومثله، اسود.  ومثله، ينتمي الى الحزب الجمهوري.

وعندما اصدر توماس كتابه، اقام له وليامز حفلا في منزله، دعا له بعض قادة السود، مثل القس جاكسون، والقس آل شاربتون، وجوليان بوند.  كان يريد ان يكون صدور الكتاب فرصة للتوفيق بين توماس والقادة السود.  لكنه لم ينجح، لان الخلاف عميق.

الخلاف عميق، لكن لاتزال مشاكل الاميركيين السود عميقة ايضا، وتزيد عمقا.  مثلما توضح هذه الارقام:

خمسون في المائة من طلاب المرحلة الثانوية لا يكملونها. 

خمسون في المائة من الشباب في السجون. 

سبعون في المائة من العائلات بدون زوج او اب. 

ستون في المائة من الاطفال ولدوا بدون زواج.

وصار واضحا ان هذه حلقة مغلقة لا تتوقف، لأن كل مشكلة تخلق مشكلة اخرى.  وصار واضحا ان القادة والسياسيين السود يتحملون جزءا كبيرا من المسئولية.  وصار واضحا انهم  فشلوا في حل هذه المشاكل:

اولا: لأنهم يربطونها بالماضي، وبايام تجارة الرقيق والتفرقة العنصرية. 

ثانيا: لأنهم يحملون البيض المسئولية.

ثالثا: لأنهم يركزون على سواد لونهم، ويجعلونه اساس هويتهم.

 

عقدة اللون:

 

صار واضحا ان عقدة اللون وسط السود تؤثر عليهم نفسيا، وفكريا، واجتماعيا.

كتب توماس في كتابه: "يقولون ان السواد  تفكير وليس لون.  لكن الكوكلس كلان العنصرية لا تفرق حسب التفكير.  ولكن حسب اللون."

واضاف: "مهما فكرنا، سيرانا الناس سودا.  لأن عندنا ملامح سوداء واضحة، مثل الشعر، والانف، والشفتان.  هذا شئ طبيعي.  يفرق الناس بين الاسود والابيض مثلما يفرقون بين الرجل والمرأة، وبين الطويل والقصير."

لكن، نسي توماس شيئين:

اولا: نسي ان هناك فرقا بين المظهر والتفكير.  وان الرجل يختلف عن المرأة، لكنهما يمكن ان يتفقا.  وان الطويل يختلف عن القصير، لكنهما يمكن ان يتفقا.

ثانيا: نسي ان الهوية في العقل، وليست في اللون.  وان اساس الهوية هو الايمان (بالله، او بالنفس، او باي شئ آخر).  وبعد الايمان تأتي الثقافة، والوطن.  كل شئ، الا اللون. 

لكن، يركز كل كتاب توماس على ان سواد لونه هو اساس هويته (واساس هوية السود، في كل مكان، وكل زمان).  وجعله هذا يصور العلاقة بين البيض والسود على اساس انها علاقة لون بلون.  وجعله هذا غاضبا على البيض.  ومتشككا في نواياهم.  وحذرا عند التعامل معهم.

 

"كتاب غاضب":

 

وطبعا، تلاحظ الاغلبية البيضاء ذلك (لكنها، تأدبا، لا تتكلم عنها علنا).  ولاحظ ذلك الذين كتبوا عن كتاب توماس:

كتبت صحيفة "واشنطن بوست" في صفحتها الاولى خبرا عن صدرو الكتاب عنوانه: "القاضي توماس ناكف وانتصر ... في كتاب غاضب."

وقالت نينا توتنبيرغ، في اذاعة "ان بي آر": "هذا كتاب لغته جميلة، لكن اسلوبه  غاضب ومرير."

وكتبت المعلقة الصحافية روث ماركوس: "نار تلتهب مثل فرن.  هذا هو كتاب القاضي توماس."

وكتبت مونا شارين، مؤلفة كتب عن الليبراليين والمحافظين: "لا يغضب الا الذي يتلذذ بالغضب."

اكثر صحافيين يعرفان توماس هما: كيفين ميريدا، ومايكل فتلشر، الصحافيان في صحيفة "واشنطن بوست".  واللذان كتبا عنه كتاب " روح توماس المتناقضة". وواضح من اسم الكتاب انهما لا يرتاحان له.  قالا عنه:

"محافظ، لكنه غير مطمئن.  صامت، لكنه غير مرتاح.  هادئ، لكنه كثير الشكوك.  اما لانه منافق، او لانه غير مؤهل.  لا يثق في البيض، ولا يثق فيه السود.  لا يحب الصحافيين، ولا يحبه الصحافيون."

لكنهما انصفا توماس عندما قالا ان مشكلة اللون والعرق ليست مشكلته وحده، انما مشكلة كل اميركا.  وان فشل توماس في حل مشكلته يعكس فشل اميركا في حل مشكلتها.

 

"انيتا" و "جيني":

 

ليس سهلا التقليل من احاسيس توماس:

كانت والدته خادمة.  وهرب والده مع عشيقته.  ولا حتى يتذكر وجهه.  وتربي في ريف ولاية جورجيا العنصري.  ومشي حافيا.  ولعب في الطين.  وسكنت ديدان امعاءه.  وزرع البطاطس وسط الثعابين.  ونظف السمك على ضوء لمبه خافته تجذب الحشرات.  (كتب كل هذا في كتابه).

ربما جعله هذا يحس بعقدة النقص، ليس فقط نحو البيض، ولكن، ايضا، نحو السود الاحسن حالا.  مثل مشكلته مع مساعدته المحامية السوداء، انيتا هيل، التي تنتمي الى الطبقة المتوسطة.  عندما اختاره الرئيس بوش الاب قاضيا للمحكمة العليا، وعقد الكونغرس جلسات للموافقة على ذلك، شهدت ضده.  وقالت انه عاكسها معاكسات جنسية. 

في وقت لاحق، كتبت انيتا هيل (الآن، استاذه قانون في جامعة برانديس، في ولاية ماساجوستس) كتاب مذكراتها: "قلت الحقيقة".  وفصلت فيها هذه الاتهامات.  لكنها نفت انها شهدت ضده لأنه رفض ان يتزوجها.  ونفت انها غارت على "جيني" البيضاء التي تزوجها.

ثم دخلت على الخط "جيني"، زوجة توماس البيضاء، وقالت ما معناه ان "انيتا" كانت تريد من توماس ان يتزوجها، وانها غضبت لأنه  تزوجها هي.

وفي كتابه، قال توماس ان "انيتا" كانت اكثر سوادا منه.  وانها، لهذا، كانت تغير عندما يصادق بناتا اقل سوادا.  وغارت كثيرا عندما صادق، ثم تزوج، "جيني" البيضاء.

وقال آخرون ان توماس تزوج "جيني" البيضاء لأنه مصاب بعقدة اللون. 

في كتابه، نفى توماس ذلك.  لكنه قال: "كلما استقل مع جيني الزورق الخاص بنا، ونذهب بعيدا، احس بالحرية الحقيقية." 

هل يجعله هذا يتذكر حرمانه من الاقتراب من اي بنت بيضاء عندما ولد وتربي في ريف ولاية جورجيا؟

 

هويته:

 

في كتابه، خصص توماس فصلا كاملا عن هويته.  ووصف نفسه بأنه: "اولا، انسان، وثانيا، رجل، وثالثا، اسود، ورابعا، اميركي." (يعنى ان لونه هو اساس هويته، واهم حتى من امريكيته.  ونسى ايمانه بالله، وهو الذي درس في مدارس كاثوليكية).

واشتكى بأن البيض "يعتقدون بأني عبد مثقف."  واشتكي بأن اخوانه السود "يعتقدون باني انكل توم (العم توم.  صفة يطلقها السود للاسود الذي يدافع عن البيض)".

وفي فصل آخر من كتابه، عنوانه "كرامة مجروحة"، تحدث عن مشاكل النفسية.  وقال انه، عندما يقرأ عن هجوم السود عليه (ناهيك عن هجوم البيض)، لا يكاد ينام بالليل. 

وقالت الزوجة المسكينة: "لا اعرف ماذا افعل.  اصلي دائما له.  اعتقد ان عنده عقدة ذنب لم يقدر على ان يتخلص منها."  وقالت: "احساسه بتحقير الناس له يكاد يقتله.  يسأل كل يوم: "لماذا يريدون ان يدمروني؟"

لكن، نسي توماس (ونسيت زوجته) شيئين:

اولا:  انه غير محايد.  لانه محافظ، ينتقده الليبراليون.  ولأنه جمهوري، ينتقده الديمقراطيون.  يصمت كثيرا، لكنه عندما يتكلم يناكف ويستفز.  ولا ينجو من يستفز من ان يستفز، مهما كان لونه: اسودا، او ابيضا، او اخضرا، او بنفسجيا.

ثانيا: انه يعتبر لونه الاسود اساس هويته.  ولهذا، يكون حساسا عند الحديث عن الالوان.  ويحس بالنقص اذا هاجم انسان لونه. 

لكن، العاقل هو الذي يفصل بين لونه وهويته.  والذي لا يفعل ذلك، لا يلوم الا نفسه.