American Identity 

الحلم الاميركي والسودان (24): الهوية:

 

كتاب جديد عن هوية اوباما

 

ماهي الهوية؟  ومتى دخلت قاموس النقاش الاميركي؟

 

هنتنغتون: هويتنا مسيحية بيضاء، لكنها مفتوحة للآخرين

 

واشنطن: محمد علي صالح

 

صدر، مؤخرا، كتاب "باراك اوباما: الوجة الجديد للسياسة الاميركية"، وكتبه استاذان جامعيان (يعتقد انهما يهوديان): مارتن دوبويس، استاذ علوم  سياسية في جامعة سنترال فلوريدا، وكيث بويكلمان، استاذ علوم سياسية في جامعة ويستيرن اللينوي.

سجل الكتاب تاريخ حياة السناتور اوباما.  وتحدث عن النقاط الآتية: 

أولا: قدرة اوباما على كسب اصوات البيض.  (سيصوت له كثير من البيض لأن امه بيضاء.  ولان ثقافته خليط من بيضاء وسوداء.  ولأنه ليس مهووسا بسواد لونه). 

ثانيا: مشكلة اسم اوباما، واسم والده، ودينه ودين والده، ودين جده.  (قال اوباما انه ليس مسلما، رغم ان  هناك من يعتقد انه، في اعماقه، مسلم.  وقال ان والده كان ملحدا، رغم ان هناك من يعتقد انه كان مسلما.  وقال ان جده كان مسلما، ولا يعتقد احد غير ذلك).

ثالثا: "ظاهرة اوباما"، ودعوته الى تخطي التقسيمات العرقية.  وشعار "مابعد العرق"  وصعوبة تنفيذ ذلك في الوقت الحالي.  لكن، ظهور احساس عام بالتفاؤل، وسط البيض والسود وغيرهم، بأن اوباما ينظر الى المستقبل.

رابعا: راي الاميركيين السود في اوباما.  ويركز الكتاب على الان كيز، صحافي وسياسي اسود، ينتمي الى الحزب الجمهوري.  وفي سنة 2004، ترشح ضد  اوباما عن ولاية اللينوي. وفاز عليه اوباما ودخل الكونغرس.  وكان واضحا ان الحزب الجمهوري بحث عن سياسي اسود (وعددهم قليل في الحزب)، وذلك لمواجهة اوباما. وبينما ركز الصحافي على اللون الاسود، ركز اوباما على ما بعد اللون.

 

الهوية الاميركية:

 

زاد النقاش عن هوية اوباما النقاش عن هوية اميركا.   هذا نقاش عمره عمر اميركا.

في السنة الماضية، صدر كتاب بيتر سبيرو، استاذ قانون في جامعة تمبل (ولاية بنسلفانيا): "ما بعد الجنسية: الهوية الاميركية والعولمة".  على غلاف الكتاب، بدلا عن النجوم الزرقاء والخطوط البيضاء والحمراء للعلم الاميركي، هناك نجوم سوداء، وخطوط صفراء وخضراء.  اشارة الى احتمال ان العولمة ستغير اميركا اكثر مما ستغير اميركا العولمة.

ركز الكتاب على الجانب القانوني، وعن الجنسية الاميركية، وعن اصحاب اكثر من جنسية، واصحاب اكثر من جواز سفر.  لكنه قال:

"الهوية الاميركية نظرية عامة، وتطبيق ضيق ... يقدر الانسان على ان يكون مثقفا اميركيا في اي مكان، واي زمان.  لكنه لا يقدر على ان يكون مواطنا اميركيا الا اذا  اقسم قسم الولاء.  يقدر على ان ينتمي الى الثقافة الاميركية.  لكنه لا يقدر على ان ينتمي الى السياسة الاميركية."

واثار الكتاب ثلاث نقاط:

اولا: صارت الاميركية (اميركانزم) فكرة، بعد ان كانت جنسية فقط. 

ثانيا: اذا هزمت الاميركية العولمة، سيرفرف علم الثقافة الاميركية في كل العالم.

ثالثا: اذا هزمت العولمة الاميركية، ستنقسم اميركا الى هويات صغيرة: سوداء، ولاتينية، وآسيوية.

 

ما هي الهوية؟:

 

يقول قاموس "وبستر": الهوية (أيدنتتي) نوعان: فكرية (عن فردية الشخص، وخصوصيته، وذاتيته).  ووصفية (عن شكل الشخص، وصورته، وعلاماته).

في جانب، يمكن القول ان شخصا ما "ليس متأكدا من هويته." او "هذه هي الهوية التي اختارها." او "سيفقد هويته اذا لم يعد الى وطنه."

وفي الجانب الاخر، يمكن القول: "قالت الشرطة انها ليست متأكدة من هويته." او "مؤخرا، اكتشف العلماء هوية الجينة التي تسبب السرطان".

"ابو الهوية" هو اريك اريكسون (هولندي ولد في المانيا، وهاجر الى اميركا، وتوفي قبل 14 سنة).  قال ان الاساس هو "انا"، وسماها "هوية الانا."  وقسمها الى قسمين: هوية شخصية.  وهوية اجتماعية. 

واضاف جيمس مارسيا، تلميذ اريكسون واستاذ علم نفس كندي، شيئين:

اولا: يختار الانسان هويته عندما يواجه ازمة هوية.  ثم يلتزم بما يحدد.  (اذا لم يلتزم سيكون منفصم الشخصية، او لا يعرف من هو).

ثانيا: يفضل ان يختار هوية لها صلة بفكرة ثابتة.  لا بمال، او سياسة، او شهادة، او سلطة (لأن هذه تتغير من وقت لآخر).

حذر مارسيا من ان ينتمي الشخص الى هوية لا يقدر على ان يسيطر عليها:  ماذا اذا انتمى الى قبيلة تظلم قبيلة اخرى؟  او دولة تحتل دولة اخرى؟  او نظرية مهتزة؟  او عقيدة لا مستقبل لها؟

 

فيلم "الهوية الاميركية":

 

في السنة الماضية، صدر فيلم "أميركان أيدنتتي" (الهوية الاميركية)، بطولة: جيسيكا غارسيا، واللينا اوليفر. 

لكن، ليس الفيلم نقاشا ثقافيا عن الموضوع.  وليس ابطاله اساتذة جامعات.   انه مقارنة بين عائلتين عسكريتين اميركيتين، تأثرتا بهجوم 11 سبتمبر سنة 2001.  ذهب الرجلان الى الحرب، وترك كل واحد زوجته.  وبينما تواجه الزوجتان مشاكل الحياة اليومية، يواجه الزوجان العدو.

وقال مخرج الفيلم: "لست انا سياسيا.  وليس هناك هدف سياسي للفيلم.  هناك هدف انساني، وهو ان الجندي، في النهاية، انسان.  وكلما اريد ان اقول هو ان هزات تحدث من وقت لآخر (مثل هجوم 11 سبتمبر) تهز الامة.   مثلما تحدث في حياة الانسان هزات تهزه.  وفي النهاية، يبقى معدنه."

وكتب بيل جينكنز، استاذ ادب في كلية غريشتون (ولاية مسيسبي): "يجب الا يتوقع الناس خارج اميركا ان تكون الهوية الاميركية سهلة، وطيبة، وبسيطة.  نحن خليط من هويات، قررت، بدل ان تحارب بعضها البعض، ان تتعايش.  ونحن اميركا القبيحة (اسم كتاب صدر قبل اربعين سنة عن اخطاء السياسة الخارجية الاميركية).  لكننا، ايضا، اميركا المعونات، والمساعدات، والمنح الدراسية، وتبادل الطلاب واساتذة الجامعات، ووكالة التنمية الدولية." 

 

فيلم "وندرفول ويرلد":

 

في السنة الماضية، صور فيلم "اميركان ايدنتتي" (الهوية الاميركية) عن تناقض الهوية الاميركية بين الحرب والحب.  وفي سنة 1946، صور فيلم "وندرفول ويرلد" (عالم مدهش) تناقض الهوية الاميركية بين الريف والحضر.

ترك البطل جورج بيلي مزرعة والده وجده، وذهب الى نيويورك.  لكنه وجد ان القيم الاخلاقية في المدن ليست مثل التي في الريف.  وبقدرما انبهر بناطحات السحاب، فقد اجتماع العائلة يوم الكرسماس حول ديك رومي مطبوخ.

يعني الفيلم ان الهوية الاميركية، مثل بقية الهويات، فيها تناقضات.  لكن، في النهاية، يبقى اساس الهوية، وهو "الايمان".  ركز الفيلم على تاثير الايمان المسيحي (احتفال الكرسماس، والصلوات، والدعوات). 

لكن، قال هنري والترجين، مؤلف كتاب "هويتنا".  ان الايمان يجب الا يكون مسيحيا، لان ذلك يجعل غير المسيحيين وكأنهم بدون ايمان، وبدون هوية.  وقال: الايمان هو اي نظرية، ما دامت: اولا: قوية.  ثانيا: ثابتة.  ثالثا: اخلاقية.

 

فيلم "من نحن"؟

 

لم يصدر فيلم "من نحن؟".  اذا صدر، سيعتمد على كتاب "من نحن؟" الذي كتبه صمويل هنتنغتون، استاذ في جامعة هارفارد، ومؤلف كتاب "صراع الحضارات" المشهور. 

عاد هنتنغتون الى اساس الهوية الاميركية: الاروبية، والمسيحية.  وقال: "لابد من تأكيد هويتنا الاروبية البروتستانتينية.  مع كل الاحترام لاسهامات السود، واللاتينيين، والاسيويين في حضارتنا، تبقى حضارتنا هي الاساس."
ودعا هنتنغتون الى "صحوة".  لم يقل "صحوة مسيحية"، لانه ليس متدينا الى ذلك الحد، ولانه علماني.  لكنه قال ان الاخلاق المسيحية جزء من الصحوة التي يريدها.

ودعا الى "اميركان كريد". 

وحيرت كلمة "كريد" الذين يكتبون عن الهوية الاميركية:

في جانب، ليست هي"الدين" (خوفا من ان ادخال الدين في النقاش سيؤثر عليه.  وخوفا من تدخل المسيحيين المتطرفين في النقاش).  وفي الجانب الآخر، ليست   "نظرية" (مثل نظريات الشيوعية، والنازية، التي تحيا وتموت).

 

الايمان اساس الهوية:

 

ربما افضل تفسير لها انها "ايمان" ثابت لا يتغير.

ما هو اساسها؟  اجاب هنتنغتون: "بروتستانت ويرك اثيكس" (اخلاق العمل المسيحي). لم يقل "الاخلاق المسيحية" لان ذلك يجعل النقاش دينيا ونظريا.  لكنه ربط الدين بالعمل.  وقال ان العمل الجاد يحتاج الى اخلاص، والتزام، ونزاهة، وعدل، ومساواة، وطبعا حرية.

لم يخترع هنتنغتون هذا التفسير. 

اعتمد على جون كالفين (قس فرنسي ، كان كاثوليكيا، ثم انتقل الى البروتستانتينية، وتوفي سنة 1564).  وهو خليفة مارتن لوثر، الالماني، ابو الاصلاح الديني (توفي قبل كالفن بعشر سنوات).  في ذلك الوقت، قال رجال الدين الكاثوليك: "طاعة الله تمحو الذنوب".  لكن، قال كالفين: "طاعة الله والعمل الصالح  تمحوان الذنوب."  وهكذا، صار العمل الصالح جزءا من طاعة الله.

وكان ثالث الثلاثة هو ماكس ويبر (الماني توفي سنة 1920) الذي كتب كتاب "الاخلاق المسيحية وروح الرأسمالية."  غير ان ويبر انتقد الديانات الاخرى، وقال انها تتحمل مسئولية "كسل" شعوبها.  واشار الى كسل البرازيليين (لأنهم كاثوليك) وكسل الشرق اوسطيين (لأنهم مسلمين).

وسار هنتنغتون على خطى لوثر، وكالفين، وويبر.

 

نقد هوية هنتنغتون:

 

في السنة الماضية، اتهم لويس ميناند، كاتب في مجلة "نيويوركر" الشهرية الثقافية هذه الاراء.  وقال انها تفرق ضد شعوب وديانات ولغات العالم الثالث.  وانها "ليست الا صورة من صور استعلاء الرجل الابيض.  وانها تحصر الهوية الاميركية في اللون الابيض والدين المسيحي."

لكن، هنتنتغتون، رغم انه، نعم، قال ذلك، قال نقطة اخيرة هامة.

قال: "صحيح ان الهوية الانجلوساكسونية مرتبطة بعرق البيض الذين جاءوا من اروبا.  لكن الفكر اهم من العرق."  واضاف: "حتى بعد ان يموت آخر "واسب" (البيض البروتستانت الاميركيين)، ستظل الهوية الاميركية انجلوساكسونية."

ربما يبدو هذا، نفسه،  تفرقة بالنسبة للاميركيين السود، والسمر، والصفر. (ولن يقبله القس الاسود جيسي جاكسون، وربما لن يقبله السناتور باراك اوباما، نصف الابيض ونصف الاسود). 

لكن هنتنغتون، على الاقل، فرق بين الفكر واللون في الهوية الاميركية.

ممممممممممممممممممممممممممممممممم

تعليق (1):

يشبه السودانيون الاميركيين في اعتماد هويتهم على دين وحضارة.  لكن،  لا يعني تفوق الحضارة الاميركية ان الحضارة السودانية لا تملك الاساس، وهو الايمان (عند المسيحيين والمسلمين وغيرهم).

تعليق (2):

مثلما قال هنتنغتون، هناك فرق بين الفكر واللون في الهوية الاميركية.  وايضا بين  الفكر واللون في الهوية السودانية.  ويمكن تعديل جملة هنتنغتون لتكون كالآتي: "صحيح ان الثقافة  الاسلامية العربية مرتبطة بعرق العرب الذين جاءوا من بلاد العرب.  لكن الفكر اهم من العرق.  وحتى بعد ان يموت (او مات) آخر عرق عربي،  تظل الهوية السودانية هوية اسلامية عربية".  (لأن الدين عند الله هو الاسلام).

تعليق (3):

كل هوية تعتمد على اللون (وخاصة الاسود)، فيها اكثر من خطأ: اولا، غياب الايمان.  ثانيا، عقدة اللون.  ثالثا، الانغلاق.  رابعا، الاحساس بالنقص.  خامسا، الخوف من الآخرين.  سادسا، "سلف هيت" (كراهية النفس).