The Globalization of Mickey Mouse

الحلم الاميركي (7): فأر يقود الغزو الثقافي الاميركي

 

قائد الحرب الثقافية الاميركية :

 

تمخض الفأر وولد امبراطورية

 

واشنطن: محمد علي صالح

 

صدر مائة كتاب تقريبا عن الرئيس جون كنيدي، وخمسون كتابا تقريبا عن الرئيس رونالد ريغان (ربما اشهر رئيسين خلال نصف القرن الماضي)، مقابل اكثر من ثلاثمائة كتاب عن "ميكي ماوس" (رغم انه اصغر منهما بعشرين سنة تقريبا.  ولد سنة 1928).  

صدرت كتب مثل: "ميكى ماوس في الهند" و "ميكى ماوس ومينى ماوس (صديقته)"، و"قصص ميكي ماوس لتنويم الاطفال"، و "ميكي ماوس على سطح القمر"، و "المهندس ميكي ماوس"، و "دكتور ميكي ماوس"، و "كيف ترسم ميكي ماوس؟"، وحتى "كيف تكتب كتابا عن ميكي ماوس؟"

ويعرض "ايباي" (موقع بيع وشراء في الانترنت) حوالي خمسمائة قطعة تذكارية عن الرئيس ريغان، والف قطعة تذكارية عن الرئيس كنيدي، مقابل اكثر من ستين الف قطعة تذكارية عن "ميكي ماوس".

وسبب رواج قطع "ميكي ماوس" التذكارية هو ان الاميركيين، وغيرهم، يتاجرون في اي شئ تذكاري عليه صورته، مثل: ساعة، ربطة عنق، ملعقة، صحن، كاس، عقد، دبوس، تلفون، جورب، قميص، حقيبة، ملابس داخلية، الخ ...

وهناك تماثيل "ميكي ماوس" في مختلف المهن: الفأر طبعا، والطبيب، والبروفسير، والساحر، ورئيس الجمهورية، وقائد القوات الاميركية، والعم سام، والشرطي، ورجل المطافي، الخ ...

وتختلف احجام التماثيل، من حجم انسان الى حجم فأر.  وهناك بالونات "ميكي ماوس" التي يختلف حجمها من بالونة عادية الى اخرى في حجم منزل، مثل التي ترفع في الهواء في موكب محلات "ماسي" في نيويورك (كل سنة في يوم عيد الشكر).

 

"ميكي" محور الشر:

 

حتى اسمه اصبح جزءا من اللغة الانجليزية تقريبا:  انتقدت مارغريت هودج، وزيرة التعليم البريطانية، مقررات بعض الجامعات البريطانية، وقالت انها "مقررات ميكي ماوس".  وانتقد صحافي اميركي حرب الارهاب التي اعلنها الرئيس بوش، وقال انها "حرب ميكي ماوس". 

ونال "ميكي ماوس" نصيبه من المشاحنات العقائدية العالمية: 

انتقد صحافي يساري فرنسي ما اسماها سيطرة اميركا الثقافية على العالم، وقال ان "ميكي ماوس ينتمي الى محور الشر."  واتهمه كاتب اسلامي بأنه رمز لمساوئ الرأسمالية لأن قصصه تركز على البحث عن المال والشهرة، ويعامل شعوب العالم الثاث باستعلاء واستكبار.  وانتقده كاتب يهودي لأنه شاهد صورة الصليب المعقوف (رمز هتلر) في واحد من افلامه.

لكن، في نفس الوقت، تتمنى شعوب كثيرة ان تخلق شخصية مثل "ميكي ماوس"، تكون رمزا لها، وتنشر ثقافتها، وتواجه هذا التسوماني الاميركي.  قدم اليابانيون "بوكيمون"، ويفكر الصينيون في واحد، وعند العرب "سمير" و "باسم"، لكنهما في بداية الطريق.

 

"ثقافة ميكي ماوس":

 

كتب غاري ابغار، مؤلف كتاب "ثقافة ميكي ماوس":

"اهم سبب لانتشار هذه الثقافة هو ان ميكي ماوس رمز للعمل الجاد، والتفاؤل، والبحث عن السعادة.  هذه اسس الشخصية الاميركية.  وهناك سبب آخر، وهو انه طريف."

مساء يوم 18-11-1928، قدم وولت ديزني، منتج سينمائي لافلام صامته، "ميكي ماوس"، لأول مرة، في فيلم كارتون ابيض واسود استغرق ست دقائق، في دار سينما "كولوني" في شارع برودواي في نيويورك.

كان ديزني انتج افلام كرتون اخرى، منها "الباخرة ويلي" و "الارنب اوسوولد".  لكنه فكر في شخصية فار عندما زار استوديو صديق في شارع برودواي، وشاهد فارا يبحث عن طعام، ولاحظ حذره، ولاحظ، ايضا، اصراره، وضحك لذلك.

وفي اليوم التالي لعرض اول افلام "ميكي ماوس"، قالت جريدة "نيويورك تايمز": "هذا فار عبقري.  يغضب، ويضحك، وييأس، ويتفاءل." (اخطأت الجريدة في كتابه اسمه، واصبح العدد الذي فيه الخطأ تحفة، تباع وتشترى). 

وبعد ثلاث سنوات، انضمت اليه صديقته "ميني".

 

"قصيدة شكسبيرية":

 

بعد افلام الكارتون، دخل "ميكي ماوس" دنيا الاغاني الاميركية.  

في سنة 1930، غنى كول بورتر: "انت الاعلى.  انت القمة.  انت الياذة يونانية.  انت قصيدة شكسبيرية.  انت ميكي ماوس." 

ثم دخل دنيا السينما العادية.  في سنة 1932،  صدر فيلم "مولود"، بطولة كاري غرانت وكاثرين هيبورن، عملاقا بداية السينما الاميركية.  عندما اعتقلهما شرطي بتهمة سرقة بنك، سألهما: "هل اشترك معكما لص ثالث؟"، اجابا: "نعم، ميكي ماوس."

ثم دخل دنيا اللوحات الفنية.  في سنة 1933، طلبت المكتبة المركزية في نيويورك من توماس بنتون، رسام مشهور في ذلك الوقت، رسم لوحة عملاقة تعلق عند مدخلها،  وفاجأ المكتبة ، ورسم "ميكي ماوس". 

بعد ذلك بسنتين، اقيم اول معرض عن لوحات "ميكي ماوس" وبقية شخصيات وولت ديزني، في معهد شيكاغو للفن، ثم تجول المعرض في مدن اميركية رئيسية.

لكن، واجه "ميكي ماوس" نقدا من اليمين ومن اليسار:

في جانب، غضب بعض رجال الدين المسيحي، وانتقدوا "كل هذا الاهتمام بفأر"، كما قال واحد منهم.  وفي الجانب الآخر، انتقده يساريون، وكتب واحد منهم في مجلة "بلاي بوي": "ميكي ماوس يدعو للفاشية.  اذا دخلت الفاشية اميركا، ستدخلها بأذني فأر."  (ربما انتقدوه ايضا لأن ديزني كان جمهوريا محافظا).

 

هتلر و "ميكي ماوس":

 

لكن، انتصر الفأر على اليمين وعلى اليسار، وتغلغل في الثقافة الاميركية. 

غنى اغاني الجاز، مثل لوي ارمسترونغ.  ورقص التانغو مع صديقته "ميني".  وذهب الى افريقيا في فيلم "سر الغوريللا".  وذهب الى الشرق الاوسط في فيلم "ميكي العربي"، حيث ركب جملا، ووضع عقالا، ورقص رقصا شرقيا.

وعندما بدأت الحرب العالمية الثانية، طلب الرئيس فرانكلين روزفلت من هوليوود المساهمة في الدعاية للحلفاء، وفي انتقاد النازية والفاشية.  مثل رونالد ريغان في افلام انتقدت اليابانيين.  واخرج ديزني افلام كرتون، تندر فيها "ميكى ماوس"على هتلر، وعلى شاربه الكثيف، وتحيته العسكرية النازية.

لكن، ربما لم يعرف ديزني ان هتلر كان يحب مشاهدة افلام "ميكي ماوس."  اكدت هذا الحب اليوميات التي كتبها غوبلز، وزير الدعاية في حكومة هتلر.  كتب يوم 12-12-1937: "ارسلت الى الفوهرر 18 فيلما من افلام "ميكي ماوس"، هدية بمناسبة عيد الكرسماس، لأني اعرف انه يحب مشاهدتها.  ورد الفوهرر بأنه شاكر وسعيد." 

رغم ذلك، منع هتلر الشعب الالماني من مشاهدة "ميكي ماوس" بسبب دوره في الافلام الاميركية التي هاجمت النازية.  لكن، رفع الحلفاء الحظر بعد هزيمة المانيا (سنة 1945)، وامطروا الشعب الالماني بافلامه (باللغة الالمانية).  بل ان كلمة السر لغزو المانيا كانت "ميكي ماوس".

 

برامج تلفزيونية:

 

بعد نهاية الحرب، عندما كشف العسكريون الاميركيون دور "ميكي ماوس" في الحرب، وصار مثل بطل وطني، اشترى ملايين الاطفال الاميركيين تماثيله، خاصة تمثال "ميكي الجندي".   واشتروا قمصانه، واحذيته، وكانت تلك بداية السوق الرائجة لمنتجاته.

وعندما انتشر التلفزيون في الخمسينات، ظهر برنامج "نادي ميكي ماوس"، وتذكر غاري ابغار، مؤلف كتاب "ثقافة ميكي ماوس"، الذي كان صغيرا في ذلك الوقت: "حتى اليوم اتذكر تفاصيل كثير من تلك المسلسلات التي اصبحت جزءا من التراث الاميركي"، والعالمي ايضا.

وبعد افتتاح مدينة "ديزني لاند" الترفيهية في كليفورنيا (سنة 1955)، ثم شقيقتها "ديزني ويرلد" في فلوريدا (سنة 1971)، غزاهما عشرات الملايين من السواح (اميركيين وغير اميركيين)، وشاهدوا "ميكى ماوس"، وبقية الشخصيات الكرتونية، يتجولون في شوارع المدينتين، ويتحدثون مع الاطفال.  والتقطوا صورا معهم.  وشربوا لبنا من اكواب عليها صورة "ميكي".  واكلوا فطائر ساخنة مرسومة عليها صورة "ميكي".  واشتروا راديو "ميكي" ليستمعوا الى "اذاعة ديزني".

 

سفينة "ميكي":

 

ترسو، على مسافة قريبة من "ديزني ويرلد" في فلوريدا، سفينة "ديزني" السياحية المحيطية، التى تزور جزر البحر الكاريبي، وعلى مدخنتها رسم "ميكي".  وتعتبر السفينة جنة للاطفال (والكبار) لان كل شئ فيها عن "ميكى ماوس" وبقية شخصيات "ديزني".

وضاعفت المدن والسفن والافلام ارباح شركة وولت ديزني، فاشترت استوديوهات تلفزيونية وسينمائية، وقنوات تلفزيونية، وشبكة تلفزيون "اي بي سي"، وشبكة تلفزيون "اي اس بي ان" الرياضية.  ويلغ دخل دخل كل الاقسام 15 بليون دولار كل سنة، منها اكثر من بليوني دولار ارباحا.

ومع زيادة الربح، زاد النقد، ليس لشخصيات مثل "ميكي ماوس"، ولكن لشخصيات مثل مايكل ايزنار، رئيس مجلس الادارة لأكثر من عشر سنوات.  رغم انه قاد التوسع وزاد الربح، اتهم بالتركيز على ذلك.  ولهذا ارتبط  اسم "ميكي ماوس" في اذهان النقاد بالطمع والجشع.

 

نقد كتاب قصص:

 

انتقد "ميكى ماوس" كتاب روايات اميركيون. 

انتقده  جيمس متشنر، وقال انه "كارثة ثقافية"، لأنه يمثل صورة "الاميركي القمئ، العسكري، التوسعي."  وانتقده كيرت فونيغات عندما انتقد سياسة الرئيس بوش الخارجية، وقال انها "انقلاب عسكري على طريقة ميكي ماوس للسيطرة على العالم."

لكن، قال توماس زيلار، مؤلف كتاب "العولمة والقرن الاميركي"، ان "ميكي ماوس" جزء من هذه العولمة.  وانه اشتهر ليس فقط لأنه فار ظريف، ولكن لأنه جزء من الثقافة الاميركية التي تنتشر في العالم، (70 في المائة مما يشاهد العالم من افلام سينمائية ومسلسلات تلفزيونية صدر في اميركا). 

وقالت مجلة "فارايتي" الفنية: "ميكي ماوس احسن دعاية علنية تملكها اي دولة. وايضا احسن دعاية خفية."

وقال رتشارد شنكل، مؤلف كتاب "نظرية ديزني"، ان ديزني لعب دورا اكبر من اي شخص آخر في "تحقيق شيئين في وقت واحد:  في جانب، عكس نفسية الشعب الاميركي.  وفي الجانب الآخر، اثر عليها." (واثر، ايضا، على نفسيات شعوب العالم).

 

75 سنة:

 

في سنة 2003، احتفل "ميكي ماوس" بعيد ميلاده الخامس والسبعين (رغم انه لا يزال فأرا صغيرا).  وبالاضافة الى الشموع، والكيك، والبالونات، والالعاب النارية في مدينتى "ديزني لاند" و "ديزن ويرلد"، ناقش المثقفون الاميركيون تأثيرة على الثقافة الاميركية والعالمية.

قالت جانيت واسكو، استاذة في جامعة اوريغون، ومؤلفة كتاب "ديزني: صناعة الفانتازيا"، ان ميكى ماوس "رمز اميركي في التفاؤل، والقوة، والقدرات، وتجارة الثقافة، وامبريالية الشركات." 

وقال هنرى غيرو، استاذ في جامعة بنسلفانيا ستيت، ومؤلف كتاب "الفأر الذي زأر: نهاية البراءة"، ان "ميكي ماوس البرئ الساذج حول  اطفال اميركا (وربما اطفال كثير من دول العالم) الى تجارة، ونشر ثقافة السوق المفتوح."

 

حرب الارهاب:

 

وبعد بداية حرب الارهاب، واحتلال افغانستان والعراق، ظهرت ثماثيل من نوع جديد. تمثال "كوماندو ميكي ماوس" يحمل بندقية اتوماتيكية.  وتمثال "ميكي ماوس المناضل" يلف نفسه بعلم اميركي  وتمثال "ميكى ماوس يؤدب صدام حسين" عن خلع الرئيس العراقي (التمثال مصنوع في الصين). 

لكن، لم تكن الحرب ضد الارهاب كلها خيرا على "ميكي ماوس."  بعد هجوم 11 سبتمبر، انخفض زوار "ديزني لاند" و "ديزني ويرلد"، اما بسبب خوف الاميركيين من السفر بالطائرات الى هناك، او لأن الاجراءات الامنية خفضت عدد الزوار الاجانب (خاصة العرب والمسلمين). 

لكن، قالت جريدة "لوس انجلوس تايمز" ان هناك اسبابا اخرى لانخفاض الاقبال.  واشارت الى ظهور العاب اخرى، مثل الياباني "بوكيمون".  هذا بالاضافة الى انتشار العاب الفيديو والانترنت، والتي اصبحت تحديا حقيقيا وبديلا قويا للسفر الى "ديزني لاند" و "ديزني ويرلد".  

وقالت نفس الجريدة ان الجنود الاميركيين في افغانستان والعراق يقدمون تماثيل وقمصان "ميكي ماوس" للاطفال هناك لكسب عطفهم.  وانتقدت ذلك لأنه يستغل براءة الاطفال، ويستغل شخصية "ميكي ماوس".

لكن، يظل يدافع عن "ميكى ماوس" روي ديزنى، ابن اخ وولت ديزني، مؤسس الشركة.  قال: "لا تعطوا ميكي ماوس اكثر من حقه.  انه مجرد فار فكاهي، وصغير، وودود."  قبل خمسين سنة، قال عمه نفس هذه الجملة عندما انتقد آخرون الفأر.