Politicians’ Hypocracy

الحلم الاميركي والسودان(15): منافقون

 

كتاب جديد عن نفاق السياسيين

 

 لماذا يرفض بوش تحمل مسئولية اخطائه في العراق؟

 

لماذا يعتقد السياسيون انهم اذكى من غيرهم؟

 

 

واشنطن: محمد علي صالح

 

حتى الآن، رفض الرئيس بوش  تحمل مسئولية الخطأ الذي ارتكبه بغزو العراق، رغم ثلاث تطورات هامة: 

رغم ان نسبة ثمانين في المائة تقريبا من الاميركيين تقول ان الغزو كان خطأ (كانت نفس النسبة تقريبا ايدت الغزو عندما بدأ قبل اربع سنوات). 

ورغم ان الحزب الديمقراطي سيطر على الكونغرس في الانتخابات الاخيرة بسبب غضب الاميركيين على بوش (واذا اجريت انتخابات اليوم، ستزيد السيطرة).  

ورغم استقالة بعض كبار المسئولين في ادارة بوش بسبب الحرب (مثل دونالد رمسفيلد، وزير الدفاع السابق).

حتى الآن، رفض بوش ان يتحمل مسئولية الخطأ، رغم انه كرر مرات كثيرة انه مسئول عن اخطاءه:

قبل ثلاث سنوات، قال: "لن اتهرب من تحمل المسئولية اذا اخطأت."  وقبل سنتين، قال: "المسئولية تقف هنا، على مكتبي في البيت الابيض."  وقبل سنتين ايضا، قال: "قائد الامة  مسئول عن الخطأ، وعن الصواب."  وفي السنة الماضية، اشار الى مثل اميركي منسوب الى الرئيس ترومان، قال فيه "ذا باك ستوب هيا" (ومعناها: انا، كرئيس للجمهورية، اتحمل مسئولية كل شئ).

لكن، قبل خمسة شهور، قدم الرئيس بوش "تنازلا" عندما قال: "حيث وقع خطأ، انا المسئول."  واقترب، بهذا، الى الاعتراف اكثر من اي وقت في الماضي.  لكنه، طبعا، لم يعترف.

 

الكلمتان الذهبيتان:

 

لم يقل بوش الكلمتين الذهبيتين: "انا اخطأت."

لماذا يرفض بوش، وغير بوش، الاعتراف بالخطا؟

لماذا تعتقد اغلبية المسئوليين والسياسيين انها تقدر على تحاشي الاعتراف بالخطأ؟

لماذا ينتقدون كذب الآخرين، ولا يعترفون بكذبهم، ونفاقهم؟

سأل هذه الاسئلة خبيران اميركيان في علم النفس:

د. اليوت ارنسون، مؤلف كتاب: "علم النفس الاجتماعي"، وكتاب "عصر الدعاية." و د. كارول تافريس، مؤلفة كتاب "الغضب: عاطفة غير مفهومة"، وكتاب "سوء الحكم على المرأة."

واتفقا، مؤخرا، على اصدار كتاب مشترك عن تهرب الناس (وخاصة السياسيين والمسئولين والحكام) من المسئولية: كتاب "اخطاء ارتكبت.  لكني لا اتحمل المسئولية."

وقالت مقدمة الكتاب: "عندما يخطي الانسان، يتوقف تفكيره الاخلاقي، ويزيد تفكيره الحيواني.  ويهرب من الموضوع.  وبعد ان يهرب، يعود اليه تفكيره الاخلاقي.  ويبحث عن تفسير ذكي.  لكن، بعد ان ادخله هروبه عالما غير واقعي.  لا يقدر على ان يعود الى الواقعي.  ولا يقدر على ان يعيش في غير الواقعي.  الا اذا اعتذر."

 

مزرعة الحيوانات:

 

قبل ستين سنة، كتب جورج ويل، مؤلف "انيمالز فارم" (مزرعة الحيوانات): "يقدر الانسان على ان يؤمن بكذبه.  لكن، يأتي الاختبار الوحيد عندما يواجه قزم الكذب عملاق الحق، في معركة عسكرية حقيقية، وحاسمة."

وفي القرن الخامس قبل ميلاد المسيح، كتب لاو تزو، الفيلسوف الصيني، ومؤسس الدين التاوزمي (عاصر الفيلسوف كونفيوشس): "الامة العظيمة مثل الرجل العظيم.  عندما يخطئ، يعرف.  وعندما يعرف، يعترف.  وعندما يعترف، يصحح."

قسم المؤلفان الكتاب الى اقسام منها:

اولا، "الاغبياء، والاشرار، والمنافقون: كيف يعيشون مع انفسهم؟"

ثانيا، "تناقض فكري: ماكينة التبرير الذاتي."

ثالثا، "بين الفخر والكراهية: متاهات."

رابعا، "تاريخ تبرير الخطأ."
خامسا، "جروح، ومشاكل، وحروب."

 

هنري كيسنغر:

 

تحدث الكتاب عن الرئيس بوش، وحرب الارهاب، وغزو افغانستان، وغزو العراق. لكنه قال ان بوش ليس اول مسئول اميركي يفعل ذلك.  وقدم ثلاثة امثلة، منذ السنة الماضية فقط:

اولا، قال هنري كيسنغر، وزير خارجية اميركا السابق، عن اقتراح بتقديمه لمحكمة العدل الدولية بتهمة قتل ثلاثة ملايين فيتنامي خلال التدخل العسكرى الاميركي في فيتنام: "هناك احتمال كبير ان خطأ ارتكب في عهد الادارة التي عملت فيها." (لاحظ: "خطأ ارتكب").

ثانيا، قال الكاردينال ايغان، كبير اساقفة نيويورك، عن تقصيره في محاسبة القساوسة الذين اغتصبوا اولادا داخل الكنائس: "اذا عرفت الأن ان هناك خطأ ارتكب، انا آسف جدا." (لاحظ: "اذا").

ثالثا، قالت شركة "ماكدونالد" لمطاعم ساندوتشات الهامبيرغر عن تقديم لحوم في في مطاعمها في الهند، حيث لا يأكل الهندوس اللحم: "ارتكبت اخطاء. ونحن نعتذر." (لاحظ: اعتذرت بدون ان نعترف بخطأ).

 

اخطاء بوش:

 

وقال الكتاب ان بوش اخطا مرات كثيرة في العراق، عندما قال اشياء، مثل:

 توجد اسلحة دمار في العراق.  توجد صلة بين العراق ومنظمة "القاعدة".   توجد صلة بين العراق وهجوم 11 سبتمبر.  سيستقبل العراقيون القوات الاميركية بالزهور والورود.  "نفذت المهمة" (بعد ستة شهور من الغزو).  يحتاج  الغزو الى "عدد محدود من القوات."  سيتقبل الاميركيون تضحيات اولادهم وبناتهم.

في السنة الماضية، شاهد مؤلفا الكتاب بوش وهو يتحدث الى مجموعة من الصحافيين.  وقال لهم: "انا مقتنع اليوم مثلما لم اكن مقتنعا في الماضي بأني على حق."

قال مؤلفا الكتاب: "جلسنا نستمع الى بوش يقول ذلك في التلفزيون.  نظرنا الى بعضنا البعض.  لم نصدق انه قال ذلك.  ولم نصدق كيف قال ذلك."  واضافا: "لم يخيب بوش ظننا، وسار على نفس نظرية علم النفس التي قررنا تطبيقها عليه.  نظرية الهروب من الخطأ، ثم العودة اليه، نفسيا، لتبريره."

ثم برهن بوش على صدق نظرية نفسية ثانية، وهي الهروب من الخطأ بتغيير الموضوع:

في البداية، قال بوش ان سبب غزو العراق هو اسلحة الدمار الشامل.  ثم قال ان السبب هو نشر  الديمقراطية.  ثم قال ان السبب هو وقف الحرب الاهلية.  ثم يقول الان ان السبب هو "استعجال الخروج."

وقال الكتاب: "كأن بوش يقول: يجب ان نستمر في الحرب لأننا بدأناها."  

 

الهروب والتهرب: 

 

وقال المؤلفان انهما وجدا ان السياسي احسن مثال على صحة نظريات علم النفس عن ارتكاب الخطأ، والهروب منه (او التهرب منه).  وهناك اكثر من سبب لذلك:

اولا، فصاحة السياسي وارتفاع صوته (اغلبية السياسيين محامون).  

ثانيا، اعتقاده بأن الذين يمثلهم اقل ذكاء منه. 

ثالثا، خلطه بين الزعامة والاخلاق. 

رابعا، خلطه بين الكذب والتبرير.  

وقال الكتاب ان التبرير اخطر من الكذب، لان معناه هو: "فعلت ما اعتقدت انه صحيح."   يعني ذلك: فعلت "في الماضي" ما اعتقدت "في الماضي" انه صحيح.  اي، لننسى الماضي، ونفتح صفحة جديدة.

 

كذبة نيكسون:

 

لم يدفع سياسي، ربما في كل العالم، ثمن كذبه مثلما دفع الرئيس نيكسون (في فضيحة "ووترغيت"، سنة 1974).  وعندما اكتشف كذبه، استقال، وكان اول رئيس يستقيل في تاريخ اميركا. 

وكان جون دين، واحد من مستشاريه، من الذين ساعدوا على كشف كذب رئيسه.  وسئل دين مرات كثيرة عن هذا الخطأ التاريخي.

قال: "اول مرة، كذب نيكسون كذبة صغيرة، عندما قال ان موضوع سرقة وثائق من مكتب الحزب الديمقراطي في مبنى ووترغيت لم يكن هاما، بعد ان نشرت الخبر جريدة "واشنطن بوست".  لكن، واصلت الجريدة نشر اكتشافات اخرى.  ووجد نيكسون انه لابد ان يغطي كذبة صغيرة بكذبة اكبر."

واضاف دين: "بمرور الزمن، صدق نيكسون اكاذيبه، الكبيرة والصغيرة."

ولاحظ دين ان نيكسون لجأ، في النهاية، الى حجة "حماية الامن القومي الاميركي".  وهكذا، يعيد التاريخ نفسه، لأن الرئيس بوش يستعمل الآن نفس الحجة.  واضاف اليها: "اذا لم نهزم الارهابيين هناك، سيأتون الى هنا."  وكانه يقول: "كذبت او لم  اكذب، امامنا الآن خطر المسلمين المتطرفين."

 

الامر الواقع:

 

وقال الكتاب ان السياسي الذي "يصدق" اكاذيبه لا يفعل شيئا غريبا، وذلك لأن الاعتقاد بأن "الامر الواقع هو الحقيقة" شئ "طبيعى" عند كثير من الناس.  اما لأنهم لا يعرفون انه ليس الحقيقة.  او لأنهم يعرفون، لكنهم لا يريدون تغييره.

واشار الكتاب الى امثلة منها:

اولا، تمارس قبيلة الدينكا في جنوب السودان عادة خلع الاسنان الامامية.  قبل مائة سنة تقريبا، امرهم بذلك اطباء بريطانيون (خلال استعمار بريطانيا للسودان) ليقدروا على ان يشربوا، بعد انتشار مرض يقفل الفم.  لكن، بعد القضاء على المرض، صار خلع الاسنان الامامية عادة قبلية.

ثانيا، قبل سبعين سنة صدر كتاب اميركي:"المرأة الحديثة: الجنس المفقود".  قال ان اختلاط المرأة مع الرجال يجعلها "باردة جنسيا."  لكن، اثبتت ابحاث علمية كثيرة ان الاميركيات لا يؤمن بأنهن باردات.  في نفس الوقت، اثبتت نفس الابحاث ان كثيرا من الرجال يؤمنون بذلك (ربما ليحملوا النساء مسئولية تقصيرهم).

وقال الكتاب: "يقنع الانسان نفسه بشئ ليقدر على ان ينام بالليل.  لا يهم اذا اقنع نفسه بكذبة، او خرافة، او عقيدة خاطئة.  لابد ان يقدر على ان ينام بالليل.  هذا هو اهم شئ."

 

قاضي المحكمة العليا:

 

وقال الكتاب ان علم النفس اثبت ان "اقناع النفس" ظاهرة يشترك فيها الناس في كل العالم، سواء رجل من قبيلة الدينكا (في السودان)، او انتوني سكاليا (قاضي المحكمة العليا في اميركا). 

هذه اشارة الى ان جريدة "واشنطن بوست" كانت كشفت، قبل ثلاث سنوات، ان سكاليا سافر بطائرة خاصة مع نائب الرئيس شيني الى رحلة صيد، في نفس الوقت الذي تنظر فيه المحكمة العليا قضية ضد شيني.

سال الصافيون سكاليا: "الا يؤثر ذلك على حيادك القانوني؟"  واجاب ببيان مقتطب: "لا يقدر اي انسان على ان يشك في حيادي." (وكأنه يعرف دواخل الآخرين).

 

رمسفيلد لا يتذكر:

 

مؤخرا، استدعى الكونغرس دونالد رمسفيلد، وزير الدفاع السابق، ليحقق معه في قتل باتريك تيلمان، ضابط اميركي، في افغانستان.  كان الضابط لاعب كرة مشهور.  وعرض عليه التوقيع على عقد ليلعب مع نادي آخر مقابل اربعة ملايين دولار.  لكنه فضل التطوع في القوات الاميركية المسلحة التي ارسلته الى افغانستان، حيث قتل.  اول مرة، قال البنتاغون ان رجال "طالبان" هم الذين قتلوه.  ثم قال انه قتل "بنيران صديقة" (اي قتله واحد من زملائه خطأ).  لكن، في وقت لاحق، تأكد بأن واحدا من زملائه قتله عمدا، لأنه بدأ يعارض التدخل الاميركي في افغانستان.

عندما سألت لجنة الكونغرس وزير الدفاع السابق عن الموضوع، كرر كلمتين "لا اتذكر" و "لا اعرف." كررهما خمسة وتسعين مرة.

وفي هذا قال الكتاب: "هناك نوع آخر من الكذب، وهو حذف الحقيقة.  يقول الكذاب انه لا يعرف، او انه لا يتذكر."  واشار الكتاب الى نظرية "الاستعلاء الشامل" وصاحبها عالم النفس انتوني غرينووولد، ومعناها: " تدمير الحقيقة، وتدمير اي طريق نحوها.".  وقال: "يتصرف الشخص مثل الفاشستيين: يعيد كتابة التاريخ من وجهة نظره هو."

وقص الكتاب قصة رجل سال حكيما: "ماهو سر السعادة؟"  اجاب الحكيم: "قول الحقيقة."  سأل الرجل: "كيف اعرف الحقيقة؟"  اجاب الحكيم: "سؤال خطأ."  يعني هذا ان الانسان الذي لا يعترف بالخطأ، ولا يتحمل المسئولية، يقضي كل عمره لا يحس بسعادة كاملة.

 

قول الحقيقة:

 

وقص الكتاب قصة جيمس فراي، مؤلف كتاب "مليون قطعة صغيرة" عن تجربته في ادمان المخدرات، ثم التخلص من الادمان.  

اشتهر الكتاب، ووزع ملايين النسخ.  حتى كشف موقع في الانترنت ان نصف الكتاب  كذب.  استدعته اوفرا وينفري، مقدمة برنامج تلفزيوني، وكانت صدقته.  وامام الملايين الذين يشاهدون برنامجها، سألت الرجل: "الم تكذب علي؟  اعتقد انك شريف، لكنى تأكدت الآن بأنك كذاب."  واسقط في يدي الرجل، وكانت تلك نهايته.

ثم اعتذرت لمشاهدي برنامجها، وقالت: "اخطأت انا، ايضا، عندما وثقت فيه.  وانا اتحمل مسئولية ذلك" وعلق الرجل: "الاعتراف بالمسئولية شئ صعب."  لكن، ردت عليه مقدمة البرنامج: "بالعكس، الاعتراف بتحمل المسئولية سهل جدا."

وقبل اربعين سنة، اعترف الرئيس كنيدي بأنه اخطأ عندما ارسل جيشا خاصا كونته وكالة الاستخبارات المركزية لغزو كوبا.  بالاضافة الى فريق لاغتيال كاسترو.  (فشلت المحاولتان).

عقد كنيدي مؤتمرا صحافيا قال فيه: "اريد ان اكون صادقا في الاعتراف بأخطائي.  تعلمت وانا صغير مثلا يقول: "لن يكن الخطأ خطأ حقيقيا الا اذا رفض صاحبه الاعتراف به."  واضاف: "اخطأت انا، وانا وحدي."

وكان كنيدي من رؤساء اميركيين قلائل اعترفوا باخطائهم.

ممممممممممممممممممممممممممممممممممممممممم

تعليق (1):

ليس سهلا مقارنة اميركا بالسودان في اخطاء السياسيين واعترافاتهم بأخطائهم، وذلك لأن الحرية الاميركية تسمح للسياسيين بأن يخطئوا (او لا يخطئوا).  وان يعترفوا اذا اخطأوا (او لا يعترفوا).  لكن غياب الحرية في السودان لا يسمح بذلك لأن غياب الحرية نفسه خطأ.

تعليق (2):

ليس السياسيون الاميركيون مثاليين (فيهم من يكذب وفيهم من يرتشي).  لكنهم، على الاقل، اذا لا يخافون من ضمائرهم (ومن الله)، يخافون من القانون الذي يعتمد على دستور ثابت وقوي.  لكن، لم يعرف السودان دستورا ثابتا وقويا، لأن السياسيين والعسكريين يغيرونه من وقت لآخر.  فكيف يخاف من الدستور من يغيره؟ وكيف يخاف من القانون من يكتبه؟  (وماذا عن الخوف من الله؟)

تعليق (3):

عدم اعتراف السياسيين والعسكريين بأخطائهم لا يؤثر فقط عليهم وعلى معارضيهم، ولكنه يؤثر، ايضا، على بقية طبقات المجتمع، وبقية جوانب المجتمع.  وخاصة ابناء  وبنات الجيل الجديد الذين ينظرون الى اعلى بحثا عن زعماء يقتدون بهم، فلا يجدون غير منافقين.