Permissiveness

الحلم الاميركي (3): الاباحية

 

كتاب جديد:  

 

واشنطن: محمد علي صالح

 

الاباحية: من المحكمة العليا الى برتني سبيرز

 

كان يوم 11 سبتمبر (ايلول)، يوم ذكرى الهجوم الارهابي على اميركا، يوم حزن عام، وزار الاميركيون الكنائس، وعرضت التلفزيونات برامج عن الهجوم، وخاطب الرئيس جورج بوش الشعب الاميركي.  لكن، اثارت النقاش اشياء جانبية (او ربما غير جانبية):  

اولا، عرض برنامج في تلفزيون "سي بي اس" الفاظا قذرة ومناظر اباحية. 

ثانيا، اشتكى مشتركون في سباق تذكاري للرجال والنساء بالقرب من البنتاغون بأن نساء في السباق لبسن ملابس كشفت عن اجزاء كبيرة من اجسادهم. 

ثالثا، عرضت افلام خليعة في يوم المناسبة لا تليق بالمناسبة.

في جانب، قال بعض الناس ان الاباحية والخلاعة والتعري لم تسيئ فقط الى اليوم التذكاري، ولكن، ايضا، زادت عن المعقول في كل اميركا.  وقال بعض الناس، في الجانب الآخر، بأن الذين ضحوا بحياتهم في هجوم 11 سبتمبر (وفي الحرب ضد  الارهاب) فعلوا ذلك حماية للحرية الاميركية، والتي يجب الا تكون لها حدود.

لكن، ما هي حدود الحرية؟

مؤخرا، ناقش الكونغرس الموضوع، واصدر قانونا ضاعف عشر مرات الغرامة على اي قناة تلفزيونية تعرض منظرا اباحيا (من 30,000  الى 300,000 دولارا).  اشتهر القانون باسم "قانون جانيت جاكسون"، اشارة الى المغنية، شقيقة المغني مايكل جاكسون، التي غنت، قبل اكثر من سنة، خلال فترة الاستراحة في المبارة النهائية لكرة القدم الاميركية (سيوبربول).  وكشفت، خلال الغناء، واحدا من نهديها، لكنها قالت انها لم تتعمد ذلك.  غير ان تحقيقا في الموضوع  كشف بأنها فعلت ذلك حسب خطة مسبقة اشتركت فيها شبكة التلفزيون التي عرضت البرنامج.  وان الهدف كان الاثارة، وزيادة الاقبال على برامج الشبكة.

 

ماهي الاباحية؟

 

منعت المادة 18 من القانون الجنائي الاميركي التلفزيونات والاذاعات من عرض اي "اباحية وقلة ادب وخلاعة".  لكن لم يقدر الاميركيون، حتى الأن، على الاتفاق على تفسير ذلك. 

في البداية، منعت لجنة الاتصالات الفدرالية (اف سي سي)، التي تشرف على التلفزيونات والاذاعات، كل شئ "له صلة بالجنس".  لكن، بسبب ضغوط من الذين قالوا ان اللوحات الفنية والتماثيل ليست اباحية، منعت كل شي "له صلة بالجنس" اذا:

اولا، اذا عرض بهدف الاثارة. 

ثانيا، اذا تكرر عرضه. 

ثالثا، اذا ركز على تفاصيل لا داع لها.

لكن، حتى هذه الشروط لم تحسم النقاش.  وقالت مجلة "تايم"، في موضوع غلاف عن الاباحية، ان اشياء كانت غير مباحة تصبح مباحة خلال خمسين سنة.  واشارت الى ان لباس البحر (المايوه) كان، قبل مائة سنة، يغطى ساقي المرأة.  ثم اصبح، بعد خمسين سنة، يكشف عن الساقين والفخذين، ثم اصبح بعد خمسين سنة اخرى، يكشف معظم الجسد (بيكيني).

 

في بريطانيا:

 

سارت قوانين منع الاباحية في اميركا على خطي قوانين مماثلة في بريطانيا، يعود بعضها الى ثلاثمائة سنة تقريبا.  لكن هذه، نفسها، ظلت غامضة، وظلت تتغير مع الزمن. 

في سنة 1727، حوكم ادموند كيرل، مؤلف قصة "فينوس"، لأن فيها تفاصيل عن علاقة جنسية.  وفي سنة 1960، حوكمت دار نشر "بنغوين"، لأنها نشرت قصة "عشيق الليدي شاترلي" لأن فيها تفاصيل علاقات جنسية.  وفي سنة 1980، حوكمت استوديوهات انتجت افلاما اباحية.

لكن ظهور افلام الفيديو (التي يمكن ان تشاهد داخل المنازل) حير المحاكم البريطانية، وربما انتصر عليها:  في سنة 2000 سمحت هذه المحاكم بانتاج افلام خليعة مادامت لا تعرض على كل الناس.  وفي سنة 2005، سمحت للافراد بامتلاك افلام خليعة (لكنها ظلت تمنع ارسال افلام خليعة بالبريد).

وحيرت افلام الفيديو المحاكم الاميركية ايضا.  وحسم النقاش قرار المحكمة العليا (التي تفسر الدستور)، في سنة 1973، بأن الاباحية "تعتمد على الذوق والمحتوى والمنطقة".  مثلا، ما توافق عليه ولاية ساوث كارولينا (المحافظة) ربما يختلف عن ما توافق عليه ولاية كليفورنيا (الليبرالية).  وفعلا، بدأت كليفورنيا بالسماح لكل من يزيد عمره عن 18 سنة بمشاهدة افلام اباحية، وخلال سنوات قليلة فعلت ولايات اخرى نفس الشئ، حتى لم تعد هناك ولاية لا تفعل ذلك.

 

الانترنت:

 

حيرت افلام الفيديو القانون الاميركي، والأن يحيره الانترنت (مائة مليون موقع، حسب آخر احصائية).  

في سنة 1994، اسس مكتب التحقيق الفدرالي (اف بي آى) "الفرقة المعادية للاباحية" التي قدمت للمحاكمة موقع "ريد روزز ستوريز" (قصص الوردة الحمراء) لانه نشر احلاما وخيالات جنسية لاولاد وبنات.  وفي سنة 1996، اصدرت ولاية الباما قانونا قال: "لا تشمل حقوق الانسان الاساسية حق مشاهدة مواد تثير الانسان جنسيا."  وفي سنة 1996، افتت وزارة العدل بأن "الحكومة يجب ان  تراقب مواقع الانترنت مثلما تراقب برامج التلفزيون والاذاعة." 

لكن، في سنة 1997، حسمت المحكمة العليا النقاش، واعلنت ان "الانترنت سوق افكار من نوع جديد ودراماتيكي.  انه مثل مكتبة عامة يجب ان يحميها الدستور."

لكن، ماذا عن المواقع والافلام الاباحية في الانترنت؟  وماذا عن مشاهدة الاطفال لهذه المواقع؟ 

اجابت المحكمة على السؤال الاول بالآتي: "يذهب الى الموقع الاباحي الانسان الذي يريد ان يذهب اليه.  ولا يفرض الموقع الاباحي نفسه على الانسان."  واجابت المحكمة على السؤال الثاني بالآتي: "يحمي الدستور الانسان الصغير من اي اذى من الانسان الكبير.  لكن، يجب الا يقيد ايذاء الصغير حرية الكبير."

 

برتني سبيرز:

 

وهكذا، ظلت المحكمة العليا، رغم زيادة قوة المسيحيين المتطرفين والجمهوريين المحافظين خلال السنوات القليلة الماضية، تدافع عن حرية المواطن الاميركي ليقول ما يريد، ويفعل ما يريد (خاصة اذا فعله داخل منزله).  لكن، يستمر النقاش حول الخط الفاصل بين المنزل والشارع، بين الخاص والعام.  

يسمي بعض الاميركيون هذا النقاش "ظاهرة بريتني سبيرز"، اشارة الى المغنية الشقراء التي اشتهرت بكشف اجزاء كثيرة من جسمها عندما ترقص وتغني على المسرح.  وتركز النقاش حولها لأنها تعمدت ذلك منذ قبل ان تشتهر، مما جعل بعض النقاد يقولون بأن شهرتها ليست بسبب اغانيها. 

واشار هؤلاء الى صورتها، قبل سبع سنوات، عندما كان عمرها ست عشرة سنة، على غلاف مجلة "رولنغ ستون".  وعرفت الصورة ب"لوليتا وسرتها"، اشارة الى انها صورة بنت صغيرة مثيرة، مثل صورة البنت الروسية في فيلم "لوليتا".    لكن، فعلت "بريتني" ما لم تفعل "لوليتا":  كشفت عن سرتها ووسط بطنها.  

وقبل اربعة شهور، ظهرت "بريتني" على غلاف مجلة "بازار"، التي تهتم بالازياء والملابس الانيقة، بدون ان تلبس اي شئ، وكان واضحا انها حامل (وضعت، بعد ذلك بشهر، طفلها الثاني).

واحتمت "بريتني" بقرار المحكمة العليا، وقالت ان الدستور الاميركي يعطيها حق ان تفعل ما تريد.

ماذا عن صغار السن، معجبيها وغير معجبيها؟  قالت: "انا لست مربية اطفال.  لماذا لا يحمي الأباء والامهات اولادهم وبناتهم؟"  واضافت: "يقدر كل شخص لا يريد ان يشاهدني على مشاهدة قناة تلفزيون اخرى".

 

ذوق من؟:

 

واثار النقاش حول الاباحية نقطة اخرى، وهي الخط الفاصل بين المباح وغير المباح. وخاصة لأن المحكمة العليا قالت ان كل ولاية تملك حق تحديد ذلك، اي ان ذوق ولاية يمكن ان يختلف عن ذوق ولاية اخرى.

واعتمد النقاش عن "الذوق" على خلفية تاريخية تعود الى اروبا خلال العصور المظلمة:

في ذلك الوقت، كان "ذوقا دينيا"، وكانت الكنيسة تحدد المباح وغير المباح. 

وبعد الاصلاح الديني (في القرن السادس عشر)، صارت كثير من الرسوم والتماثيل العارية مباحة مادامت تتماشي مع "الذوق العام". 

وبعد ظهور الرومانسية (في القرن الثامن عشر)، صار "الذوق الخاص" هو المقياس، اي ان الفرد يحدد المباح وغير المباح.  (وظهر شعار "الجميل هو ما تقول العين انه جميل"). 

 وبعد ظهور طبقة المثقفين (في القرن التاسع عشر)، صار "الذوق المثقف" هو الذي يحدد المباح، واختلف هذا الذوق عن "الذوق الشعبي". 

وظهر في الولايات المتحدة "الذوق المتساوي"، اشارة الى عبارة "كل الناس خلقوا متساوين" في الدستور الاميركى.  وحاول الاميركيون، في مثالية، تحقيق ذلك.  لكنهم اكتشفوا ان الناس اذواق.  واكدت ذلك المحكمة العليا بقراراتها بتنوع الذوق وتنوع مقاييس الاباحية. 

 

ثقافة بيضاء:

 

لكن، كان واضحا ان هذه القرارات انحازت الى جانب ذوق الاغلبية المسيحية البيضاء التي تسيطر على الثقافة الاميركية.  وصارت المغنية "بريتني" رمزا لهذا الذوق. وذلك من ناحيتين:

اولا، صار مقياس الجمال هو بشرتها البيضاء وشعرها الاشقر. 

ثانيا، صار مقياس الاباحية هو نسبة ما تكشف هي من جسدها.

يحدث هذا مع بداية القرن الحادي والعشرين.  لكن، كان الوضع مختلفا في الماضي.  في  القرن التاسع عشر، عارضت الثقافة البريطانية خلال العهد الفكتوري، كشف المرأة لساقيها في مكان عام. وفي النصف الاول من القرن العشرين، عارضت الثقافة الاميركية كشف المرأة لفخذيها في مكان عام. وفي النصف الثاني، بعد الثورة النسائية وثورة الحقوق المدنية، عارضت كشف المرأة لسرتها وبطنها في مكان عام.

وها هي الثقافة الاميركية الآن تسمح، تدريجيا، بذلك.

 

ثقافة طالبان:

 

لكن ما تزال الثقافة الافغانستانية، تعارض كشف المرأة لوجهها حتى بعد نهاية حكومة طالبان.  وتعارض ثقافات اسلامية كثيرة كشف المرأة لشعر رأسها، رغم الزيادة المستمرة في تأثير الثقافة الغربية، ورغم خروج المرأة المسلمة للعمل خارج البيت.  ويرى بعض المسلمين ان "العورة" بالنسبة للمرأة المسلمة هي كل شئ غير الوجه واليدين، وانها بالنسبة للرجل هي ما بين السرة والركبتين. 

وتعارض التعري والاباحية، ايضا، التوراة والانجيل، والكتب البوذية والهندوسية والتاوية.

لكن، في الجانب الآخر، لا تعارض الثقافة الافريقية، في جنوب السودان مثلاً، كشف المرأة لكل جسمها، ولا ثقافة الاقزام الافارقة (في الكاميرون وزائير وغيرهما).

تبدو ان هناك صلة بين نسبة التعري ونسبة الالتزام بعقيدة اخلاقية دينية، سواء في الغرب العلماني او افريقيا الوثنية.