Opposition From Exile

 

الحلم الاميركي والسودان (13): المعارضة من اميركا

 

كتاب على علاوي: من اميركا الى العراق الى اميركا

 

"اخلاقية اسقاط حكومة وطني بمساعدة الاجانب"

 

واشنطن: محمد علي صالح

 

انهي، مؤخرا، على عبد الامير علاوي، سياسي ومثقف عراقي، وكان وزيرا ثلاث مرات بعد الغزو الاميركي للعراق، جولة اميركية قدم فيها دعايات لكتابه الجديد: "احتلال العراق." 

ظهر في تلفزيونات، وكتب في جرائد، وتكلم في اذاعات.  ووصف كثير من الاميركيين كتابه بأنه يختلف عن غيره من الكتب الاميركية التي كتبت عن العراق، لأن كاتبه عراقي، واشترك في حكم العراق بعد الغزو.  قالوا انه "انسايدر" (داخلي، يعرف تفاصيل كل الامور).

كان علاوي هنا (وفي بريطانيا) قبل الغزو الاميركي لبلاده، ودعا الاميركيين ليغزوا وطنه.  ولهذا، عندما عاد الى اميركا مع كتابه، عاد وكأنه يحمل كشف حسابه.

لكن، لا يوجد على علاوي في كتاب علىعلاوي.

لم يشرح دوره.  ولم يتحمل اي مسئولية عن ما حدث.  بل انتقد السياسيين والمثقفين العراقيين (وكأنه ليس واحدا منهم).  وقال انهم، بالاضافة الى اميركا، مسئولون عن الوضع الحالي الردئ في العراق. 

يتنقل علاوي الآن بين العراق وبريطانيا واميركا.  ويعمل مستشارا لنوري المالكي، رئيس وزراء العراق. 

كان علاوي وزير التجارة، ثم وزير الدفاع، في اول حكومة عراقية بعد الغزو الاميركي، وهي الحكومة التي ترأسها ابن عمه اياد علاوي.  ثم كان وزيرا للمالية في حكومة ابراهيم الجعفري السابقة.  وهو ابن اخت احمد الجلبي، رئيس مجلس الحكم بعد الغزو.  وقريب نوري بدران، وزير الداخلية في نفس الحكومة.  و"صديقه العظيم" هو موفق الربيعي، مستشار الامن القومي لحكومة العراق الحالية.

 

من هو؟:

 

قضى علاوي اكثر من نصف عمره خارج العراق. 

ارسلته عائلته الغنية الى بريطانيا للالتحاق بمدرسة ثانوية (في سسكس).  ثم جاء الى الولايات المتحدة ليدرس في معهد ماساجوستس للتكنولوجيا (ام آى تي)، حيث نال بكلاريوس الهندسة.  ثم في جامعة هارفارد، حيث نال ماجستير ادارة اعمال.  ثم عمل في البنك الدولي.  ثم تركه، وانتقل الى المجال الاقتصادي الخاص: 

في سنة 1978، اسس المجموعة العربية الاقتصادية العالمية.  وفي  سنة 1992، اسس مجموعة "فيزا" الاستثمارية.  وفي سنة 1999، عمل استاذا في جامعة اكسفورد.  حتى الغزو الاميركي للعراق، حيث عاد الى وطنه، وصار وزيرا.

 

فصول الكتاب:

 

كتب علاوي كتابا عملاقا (516 صفحة)، عرض فيه تاريخ العراق منذ الغزو الاميركي.  وهذه عناوين فصول الكتاب:

الغزو.  سلطة الاحتلال.  تصفية حزب البعث.  مجلس الحكم.  آية الله السستاني.  كتابة الدستور.  كراهية طائفية.  حكومة انتقالية.  عرب وفرس.  الانتخابات.  الفساد.  حكومة الجعفري.  المستقبل.

لكن، لم يذكر علاوى اسمه مرات كثيرة في كتابه.  رغم مناصبه الهامة خلال ثلاث سنوات تقريبا.  كتب جملتين عن نفسه عندما صار وزيرا للتجارة.  وثلاث جمل عندما صار وزيرا الدفاع.  وجملتين عندما صار وزيرا للاقتصاد.

وبدأ وكأنه كان متفرجا خارجيا.

بل، احيانا، بدأ وكأنه "برئ"، او "ساذج" (استعمل الكلمة الاخيرة).

وانتقد كل انسان آخر تقريبا الا نفسه.

ولم يعترف بأنه اخطأ في تأييد الغزو، ناهيك عن ان يعتذر.

وبدأ كتابه وهو "مناضل"، وانهاه وهو "مناضل".

اين على علاوي في كتاب على علاوي؟

يجده الذي يقرأ مقدمة الكتاب، وهي اربع صفحات فقط.

 

بداية "النضال":

 

قال، في مقدمة الكتاب، انه كان يريد ان يعود الى وطنه بعد ان اكمل دراسته الجامعية في اميركا. 

لكن، "عاد حزب البعث الى الحكم سنة 1968، ووضع نهاية لآمالي بالعودة الى العراق.  وتوقعت ان حزب البعث سيحكم العراق بقبضة حديدية.  لكن، كان الحزب عنيفا ودمويا اكثر مما توقعت."

واضاف: "هكذا بدأت لجوءا سياسيا استمر اكثر من ثلاثين سنة."

ومثل الآلاف من مثقفي الدول العربية والاسلامية الذين يتركون بلادهم، ويجيئون الى الغرب، عاني علاوي من اشياء كثيرة، وكتب:

اولا، "لم اتوقف يوما ما من التفكير في وطني." 

ثانيا، "قاسيت من المنفى، والظلم، والتيه."

ثالثا، "ما كنت اعرف كم سيطول المنفى."

وقال ان المنفى "جعل العقل كئيبا وسوداويا".  واعترف بأنه "لم يفقد كثيرا" في حياته، ولم "يتأذي ويجبر على التنقل".  (لأنه كان مرتاحا ماليا، لأنه كان خبيرا في البنك الدولي، ثم صاحب بنوك وشركات استثمارية عالمية). 

لكنه، رغم ذلك، عاني من "قلة الاحتمالات، وانخفاض الخيارات، وضيق الفرص، وعدم وجود اكثر من طريق."

 

المعارضة من الخارج:

 

قال علاوي انه كان يعرف ان العراق اكثر حظا من دول عربية كثيرة.  لكنه تمنى لو "كان احسن من ذلك". 

وكان يعرف ان العراق، مثل دول عربية اخرى، يمر بمرحلة "ثورية" تاريخية متطورة (بالمقارنة مع دول لا تزال "تقليدية").  لكنه قال ان تجربة العراق "الثورية"، مثل تجارب دول عربية تشبهه، كانت "كارثة".

خلال ثلاثين سنة في البنك الدولي، ثم في بنوك وشركات استثمارية، قال: "ظللت اعارض صدام حسين."

لكنه اعترف بأنه لم يقدر على الجمع بين معارضة حكومة وطنه معارضة حقيقية وفعالة، وبين الجري وراء المال خارج وطنه.   وذلك لأنه عمل، خلال الثمانيات وقبل غزو العراق للكويت، في بنوك وشركات استثمارية في دول خليجية "كانت حليفة استراتيجية" لحكومة العراق.  وقدمت للعراق بلايين الدولارات لمساعدته في حربه ضد ايران.

وطبعا، ولهذا، لم يعارض علاوي حكومة وطنه معارضة حقيقية خلال تلك الفترة.  ولا حتى عندما غزا العراق ايران.  ولا حتى عندما غزى العراق الكويت.  ولا حتى عندما طردت اميركا العراق من الكويت. 

بل وانتقد اميركا لأنها لم تغزو وطنه، وتعزل حكومته في ذلك الوقت، وقال انه "لن يغفر" لاميركا لهذا السبب.

 

الاغراء الاميركي:

 

لكن، عاد علاوي، ورحب بدور اميركا للمساعدة على التخلص من حكومة صدام حسين.  وخاصة بعد هجوم 11 سبتمبر الذي زاد غضب الاميركيين على المسلمين والعرب.

لم يقل انه، وزملاءه، "جاءوا" الى اميركا، و"طلبوا" مساعدة الاميركيين.  قال ان الاميركيين هم الذين دعوهم الى هنا، وعرضوا عليهم مساعدتهم.  وقال: "تقربت الينا السفارات الغربية والاعلام الغربي.  وكان بعضنا محظوظا، وتسلم رمز الاعتراف الاعظم: زيارة البيت الابيض." 

واضاف: "لكننا لم نكن قادرين على تهديد حكومة العراق (ناهيك عن اسقاطها).  لم نكن نقدر على ان نفعل ذلك بمفردنا.  ظللنا ننتظر ما ستفعل واشنطن ولندن."

قال انه كان في لندن يوم سقطت بغداد، و"شاهدت الاحداث في التلفزيون ... وشاهدت الفوضى تعم العراق."  وكان، لهذا، "عكس زملائي الطموحين الذين سافروا الى العراق، وبدأوا في المناورات والالاعيب."

لكن، "تغير احساسي هذا سريعا، والسبب هو صديقي العظيم،  وحليفي، موفق الربيعي.  ذهب الى مجلس الحكم في العراق، واقترح عليهم اسمي وزيرا.  وقال لي: "سأجعلك وزيرا للتجارة."  وسألني، وهو الرجل الجاد: "هل تريد؟  او لا تريد؟"  صمت، وفكرت، وترددت.  ثم قلت له: "نعم."

وقال علاوي: "لا اعرف لماذا قلت نعم.  لم يكن السبب هو انني طموح.  ولا انني احب السلطة.  ولا انني احب الحكم.  انا متأكد من ذلك.  كان السبب هو "القدر".  وقلت انني ما دمت قضيت اربعين سنة اعاني مما عاني العراق، جاء وقت العمل."

 

غزو اخلاقي؟

 

وتفلسف علاوي في اخلاقية الغزو الاميركي.  قال: "اقتنعت باخلاقية اسقاط الحكومة الدكتاتورية بمساعدة الاجانب."  وسأل: "هل هناك اي سبب آخر يجعل الانسان يؤيد احتلال بلده؟"

لكنه اصيب بخيبة امل عندما وصل الى بغداد.  وشاهد "طبيعة العراق الفوضوية، والعواطف المتطرفة." وقال لنفسه: "سينهار كل شئ، وسينهار معه تأييد الاخلاقي للغزو الاميركي."  وقال: "شرحت ذلك لكل انسان.  لكنكم كانوا كلهم مشغولين بخدمة مصالحهم الخاصة."

وانتقد ثلاثة اشياء:

اولا، "تناقضات المشروع الاميركي". 

ثانيا، "ارتشاء، وعجز، ونفاق الطبقة السياسية الجديدة". 

ثالثا، "التناقض" بين الجانبين.

قال علاوي انه وصل الى هذه القناعة بعد نهاية منصبه الاول كوزير للتجارة.  لكنه لم يغادر العراق، ويعود الى اميركا وبريطانيا.  بل بقي، وصار وزيرا مرة اخرى.  وقال انه اعتقد ان الانتخابات "ستقضي على اخطاء الاحتلال".  ولم يقل ان الانتخابات اجريت في ظل الاحتلال.

 

 وزارة جديدة:

 

مثلما قال علاوي ان موفق الربيعي هو الذي عرض عليه وزارة التجارة بعد الغزو، قال: "وجدت نفسي في قائمة المرشحين في الانتخابات.  وانتخبت عضوا في المجلس الوطني الانتقالي."  وكأنه لم يضع اسمه، وكأنه لم يشترك في الدعاية الانتخابية لنفسه، وكأنه لم يكن سعيدا وفخورا بذلك.

لماذا قبل وهو الذي اصيب بخيبة امل؟

قال: "كنت اريد ان اشترك في كتابة الدستور الدائم."  لكنه اعترف: "ربما كنت ساذجا عندما اعتقدت ان كل العراقيين سيتفقون على ترك خلافاتهم، وعلى فتح صفحة جديدة."  وفي الحقيقة، "لم يختاروني في لجنة الدستور."

ثم عرضت عليه وزارة المالية.  ومرة اخرى، كان علاوي حريصا على ان يقول انه لم يطلب الوزارة، لكنها عرضت عليه. وهو وافق.

لماذا قبل، وكانت تلك ثالث فرصة له ليترك العراق، ويعود الى بريطانيا او اميركا؟  قال: "ضغطوا علي."

لكن، مع الوزارة جاءت المسئولية، وجاء الخوف والخطر.  وتعرض لمحاولات اغتيال كثيرة.  في واحدة منها، هجم انتحاري على حرسه الخاص، وقتل ثلاثة، وجرح ستة جروحا بالغة.

 

موسم الهجرة:

 

صار واضحا ان علاوي خاف من الموت.  وكتب: "حتى اليوم، يزن في اذني صوت البنادق الاتوماتيكية التي اطلقها حراسي على الذين حاولوا اغتيالي."  وصار واضحا ان ايامه في وطنه لن تطول. 

وكتب في نهاية مقدمة الكتاب: "اقتربت نهاية سنواتي في العمل السياسي.  وفقدت اي امل في الجو العغن في ما يسمى بالعراق الجديد." 

لكن، كان هناك سبب اهم، وهو: "اكتسح الاسلاميون الانتخابات، بعد ان استغلوا في ذكاء موقف أيه الله السستاني."  وقال انه، لهذا، لم يطمع في منصب وزاري (كانت ستكون الوزارة رقم اربعة). 

واضاف: "على اي حال، ربما ما كانوا سيختاروني". 

ولهذا، عاد الى لندن ليكتب كتابه.

ما هو رأيه في الحكومة الحالية التي لا يعمل فيها وزيرا (لكنه يعمل مستشارا)؟  كتب: "الحكومات التي عملت فيها وزيرا كانت احسن منها."

ممممممممممممممممممممممممممممممم

تعليق (1):

ربما يحس السوداني الذي يعارض حكومة وطنه من اميركا باحاسيس علاوي، ويقول مثله: "لم اتوقف يوما ما عن التفكير في وطني." و "قاسيت من المنفى، والظلم، والتيه." و "ما كنت اعرف كم سيطول المنفى."  وربما يصل الى تبرير على علاوي الاخلاقي، وهو: "اقتنعت باخلاقية اسقاط الحكومة الدكتاتورية بمساعدة الاجانب ... هل هناك اي سبب آخر يجعل الانسان يؤيد احتلال بلده؟"

 

تعليق (2):

لكن، اسقط السودانيون مرتين حكومة عسكرية بدون اي مساعدة من الخارج: اول مرة بداية من جامعة الخرطوم، عندما هتف طلابها: "الى الثكنات ياعبود."  وثاني مرة بداية من المحطة الوسطي، عندما هتف الشماسة: "يا نميري يا جبنان، الشماسة في الميدان." 

بالعكس، فشل السودانيون مرتين في اسقاط حكومة عسكرية عندما استعانوا بالاجانب: اول مرة عندما دخلت قوات مرتزقة من ليبيا (سنة 1976).  وثاني مرة عندما دخلت قوات مرتزقة من اريتريا بمساعدة اميركا (سنة 2004).

 

تعليق (3):

يظلم السوداني الذي يعارض من اميركا السوداني الذين يعارض من الداخل، والذي. يخاف على نفسه، ووظيفته، وراتبه، ورزق اولاده، وايجار منزله.

ويظلم الاميركيين الذين يعيش وسطهم.  وذلك لأنهم رحبوا به، واعطوه اقامة دائمة، وجنسية، وجواز سفر.  ولا يريدون ان يورطهم في مشكلة في بلد بعيد لا يعرفونه.  ولا يريدون ان يضحوا باموالهم ودمائهم في سبيل قضية ليست قضيتهم.  ولا يفهمون لماذا لا يضحي هو بماله ودمه.