Marginalized Peoples

الحلم الاميركي والسودان (16): المهمشون:

 

كتاب جديد: المهمشون

 

بمناسبة رفض اميركا حق تقرير مصيرهم

 

واشنطن: محمد علي صالح

 

مؤخرا، اجازت الجمعية العامة للامم المتحدة "الاعلان العالمي لحقوق الشعوب الاصلية".  ويعتبر اهم اعلان في مجال حقوق الانسان، بعد ستين سنة من "الاعلان العالمي لحقوق الانسان".  ويدعو هذا الى:

اولا: حق تقرير المصير للشعوب الاصلية.

ثانيا: حق سيطرتها على مواردها الطبيعية.

ايدت الاعلان 143 دولة (من جملة 192 دولة)، وعارضته اربع دول: اميركا، وكندا، واستراليا، ونيوزيلندا.  وامتنعت عن التصويت تسعة دول.  وذكرت انباء بان اميركا ضغطت علي دول كثيرة لتصوت ضد الاعلان، او، على الاقل، لتمتنع عن التصويت.

من هي "الشعوب الاصلية"؟

تعني "اصلية" بالانجليزية كلمة "انديجيناص".  لكن، هذه كلمة مهذبة تحل، احيانا، مكان كلمة ربما غير مهذبة، وهي "مارجينالايزد" ( المهمشين).

وصف قاموس "وبستر" الشخص "الاصلي" بأنه هو الذي "ولد، وعاش، وتوالد، وصار جزءا من مكان معين."

ووصف مكتب حقوق الانسان (التابع للامم المتحدة) في جنيف "الشعب الاصلي" بأنه الذي "يعاني من ظلم لأنه يختلف عن الشعب الذي يسيطر على الحكومة.  ولأنه ظل في نفس المكان قبل  ان يسيطر على الحكومة الشعب الآخر."

 

المهمشون:

 

كتب د. رونالد نيزين، الذي كان استاذ علم الاجناس في جامعة هارفارد، والأن في جامعة ماغيل (في كندا)، اكثر من خمسة كتب عن "المهمشين"، آخرها هو: "عالم ما بعد الاختلاف: الهوية في عصر العولمة."  وكتب قبله كتاب:"الشعوب الاصلية: حقوق الانسان والهوية". 

وطبعا، لم يستعمل كلمة "مهمشين" في اسم اي كتاب.  وطبعا، لم تستعمل الامم المتحدة الكلمة في قرارها الذي اصدرته. 

والسبب هو أن الوصف سلبي، ولا يخلو من اساءة.  رغم ان "المهمشمين" انفسهم يقدرون على ان يسموا انفسهم "مهمشين"، بدون حرج.

لم ينفي الكتاب الاخير ان المهمشين مظلمون، وقال:"التهميش هو نفسه اضطهاد."  لكنه قال ان المهمشين لن يقدروا على الوقوف امام عجلة التاريخ، ولن يقدروا على مواجهة الحضارات الاقوي والثقافات الاعلى.

وقال:"تتكون اغلبية المهمشين من مزارعين وصيادين ورعاه.  وهناك محمدة لهؤلاء، وهي انهم، رغم انخفاض مستوى معيشتهم، لم يهاجروا الى خارج منطقتهم، وظلوا جزءا من ثقافتهم الاصلية.  وربما لهذا هم احرص عليها من غيرهم."

 

لماذا عارضت اميركا؟:

 

لماذا عارضت اميركا تقرير المصير للشعوب "المهمشة"؟

القى خطاب اميركا روبرت هاغين، سفيرها في لجنة حقوق الانسان في جنيف، وقال: "السيد الرئيس، نأسف باننا لابد ان نصوت ضد اعلان حقوق الانسان للشعوب الاصلية."

واضاف: "يعترف قانوننا بالقبائل الهندية ككيانات سياسية، لها سلطات الحكم الذاتي. ونحن نشجع، خارج وطننا، الحكم الذاتي للشعوب الاصلية لتسيطر على نشاطات محلية وداخلية.  ونواصل العمل لتطوير حقوق الشعوب الاصلية في كل العالم.  ونتحدث، في التقرير السنوي لحقوق الانسان، عن احوال الشعوب الاصلية في كل العالم.  ونقدم مساعدات مستمرة لهذه الشعوب الاصلية."

لكنه قال: "يجب الا يكون الحل قانونيا فقط.  يجب ان يكون، ايضا، اخلاقيا وسياسيا."

واضاف:"تؤكد الفقرة الاولى من الاعلان العالمي للحقوق المدنية والسياسة الآتي: لا تملك الشعوب الاصلية حق الاستقلال."(الانفصال).

 

المهمشون الاميركيون:

 

هناك اكثر من 300 مليون شخص ينتمون الى "قبائل مهمشة" في كل العالم.  تشكل هذه نسبة خمسة في المائة من سكان العالم.  وتنتمي الى اكثر من خمسة آلاف قبيلة (او "شعب") تنتشر في اكثر من سبعين دولة.  ويتراوح حجم "القبيلة" او "الشعب" من عشرين شخصا فقط الى ملايين الناس.

في اميركا مثلا، بقي من الهنود الحمر ستة ملايين شخص، منهم مليونا شخص يعيشون داخل "مستوطنات" تتمتع بحكم ذاتي، بينما تعيش البقية خارجها، ومنها من اختلط بغيرها.  يعني هذا شيئين:

اولا: يقل تدريجيا عدد الهنود الحمر "الحقيقيين".

ثانيا: يقل تدريجيا عدد كل الهنود الحمر.

ويتفق هاغين، سفير اميركا في لجنة حقوق الانسان، مع نيزين، مؤلف الكتاب، على ان الهنود الحمر ليسوا "ضحايا"، وليسوا "منقرضين"، وليسوا "مستعمرين".  لكن، يقدر مؤلف الكتاب على ان يقول رأيه في شجاعة اكثر من الدبلوماسي.  وراي مؤلف الكتاب هو ان الهنود الحمر، وغيرهم من الشعوب المهمشة،  لا يستحقون حق الاستقلال (الانفصال)، ولا يقدرون على تنفيذه، ولا على صيانته.  وان القضية اكبر منهم كثيرا، لأنها قضية صراع عالمي بين "العولمة" و "الانغلاق". 

بل تجرأ مؤلف الكتاب، وقال انها صراع بين "المتحضرين" و "البدائيين."

 

من سينتصر؟:

 

اشار الكتاب الى "غلوبال ايدنتتي" (الهوية العالمية).  وقال انها نوعان:

الاولي: "كلشرال يونيفيرسالزم" (العالمية الثقافية). 

الثانية "كلشرال بارتيكيولارزم" (الخصوصية الثقافية).

وقال ان الاولى استمرار لنظرية التنوير العقلاني (اساس الثورتين الفرنسية والاميركية)، وهي ان العالم يتغير نحو حروب اقل، وسلام اكثر، وحرية اقوى، وعلم متطور، ورخاء متزايد.  ولهذا، تتحول الهويات نحو الانفتاح. 

وتميل الهوية الثانية نحو الانغلاق، وترى ان الحدود لم تعد توقف "الآخر".  وان الغزو "الخارجي" لم يعد مرئيا.  وانها، لهذا، تحتاج الى "حماية".  وتنفى انها تحتاج الى حماية لاسباب عاطفية (لأنها خائفة).  ولكن لاسباب انسانية (للمحافظة على حضارتها الاصلية)، ولاسباب  اخلاقية (ايمانا بالمساواة والتسامح).

لكن، يواجه هذه النظرية عدوان:

الاول: قانون طبيعي بأن الاقوي ينتصر على الضعيف.

ثانيا: قانون تاريخي تؤكده سقوط امبراطوريات ونمو غيرها.

 

"مانفستو القدر":

 

ويؤيد الكتاب "مانفستو القدر" الاميركي الذي يقول بأن قدر الاميركيين الاوائل (الذين هاجروا من اروبا)  كان نشر الحضارة وسط الهنود الحمر.  ويعني هذا ان قدر الاميركيين الآن  (في عصر العولمة) هو نشر الحضارة وسط شعوب العالم غير المتحضرة.

ويشير الكتاب الى ان "مانفستو القدر" اعتمد على تعاليم مسيحية تهدف لتأسيس  السلام والعدل والحب، ومجتمع مثالي، واخوة عالمية.  وقال: "لم يعد الصراع غربيا او شرقيا، بل صار حضاريا لنشر الحضارة.  صار لكسب عقول وقلوب كل العالم."  (لهذا، يمكن القول بأن هناك صلة بين "مانفستو القدر" الاميركي وبين شعار الرئيس بوش بكسب عقول وقلوب المسلمين خلال الحرب الحالية ضد الارهاب).

واشار الكتاب الى نظرية جديدة في الدراسات الثقافية هي: "مابعد الحكومات، ومابعد الحدود."  وتعني ان العالم يصير قرية، وتزيد الهجرات، ويزيد الاختلاط، ويزيد الذوبان.  وان هدف هذه النظرية هو "الحلم العالمي" (مرحلة مابعد "الحلم الاميركي").

 

قرار الامم المتحدة:

 

وقال الكتاب ان هناك "حربا" بين سيادة الدولة وحقوق الاقليات.  وان هذه لا تقتصر على دول العالم الثالث، ولكنها توجد ايضا في دول مثل اميركا وكندا:

في جانب، تريد الحكومة تطوير مناطق الاقليات، ونشر اللغة الوطنية، والغاء نظام الحكم القبلي، وتوحيد المناهج الدراسية.  تريد، في كلمة ربما غير مؤدبة، "نشر الحضارة."

في الجانب الآخر، نقلا عن تقرير للامم المتحدة: "الحكومة التي تريد تدمير ثقافة الاقلية  في وطنها تريد ان يحدث ذلك فعلا.  لكن، تنسى هذه الحكومة امكانية الاستفادة من ثقافات الاقليات.  وتنسى انها كانت، يوما ما، ثقافتها هي.  انها ثقافة الجدود، جدود من ينتمون الى الجديد، وجدود من ينتمون الى القديم.  وتقدر هذه الحكومة على فتح الباب امام القديم ليساهم في الجديد."

 

التعددية والتنوع:

 

لا يعارض الكتاب تفسير الامم المتحدة هذا.  ويؤيد التعددية، والتنوع، والحرية.  ويفهم لمذا توحدت هذه الاقليات على مستوى الدولة، ثم على المستوى العالمي، حتى  وصلت الى الامم المتحدة.  وحتى، بعد 22 سنة، نجحت في اقناع الامم المتحدة بقضيتها. 

لكن، قال الكتاب ان الاقليات (والاغلبيات) يجب ان تعلم ان "العالم صار قرية"، وان الاتصالات والمواصلات قربت الناس والافكار.  و"ان هناك شئ اسمه الوطنية العالمية."

وانتقد الكتاب "الفكر البيروقراطي" الذي (ربما مثل "الفكر المحافظ") يخاف من الانفتاح والتجديد.  وانتقد بيروقراطيي الامم المتحدة.  وقال انهم يحرصون على "الوحدة الثقافية"، وكان يجب، في عصر العولمة، ان يشجعوا "التعددية الثقافية."  وسأل: "الى متى نحافظ على شئ يتغير؟"

وقال الكتاب: "ليست هذه آراء جديدة.  لكن الجديد هو ان الامم المتحدة تريد المحافظة على عادات وتقاليد قبلية الى درجة انها تريد اصدار قانون عنها، وتريد من الدول الاخرى الخضوع لهذا القانون." (صدر الكتاب قبل قرار الامم المتحدة الاخير).

 ممممممممممممممممممممممممممممممم

تعليق (1):

يعود الفضل في نشر فكرة "المهمشين" في السودان الى د. جون قرنق، زعيم الحركة الشعبية الراحل.  ويشكر على انه ركز على مصير مناطق مهمشة في الجنوب والنيل الازرق وجبال النوبة.  لكن، صار واضحا ان "المهمشين" هم الاقل عروبة والاقل اسلاما.  وان الهدف من شعار "سودان جديد" هو سيطرة هؤلاء على السودان، في عداء واضح للثقافة الغالبة: الثقافة الاسلامية العربية الافريقية.

تعليق (2):

كما قال هذا الكتاب، وكما قال السفير الاميركي في لجنة حقوق الانسان عندما عارض قانون حقوق الشعوب الاصلية (المهمشة)، هناك فرق بين المحافظة على تراث المهشمين، وبين تحويله الى حركة انفصالية تريد ان تتقوقع وتنغلق على نفسها.  وكما قال الكتاب: "لن تقدر الثقافة الضعيفة على مواجهة الثقافة القوية."

تعليق (3):

يوجد تناقض في السياسة الاميركية التي ترفض تقرير المصير (حق الانفصال) للشعوب المهمشة في لجنة حقوق الانسان، وتدافع عن الحكم الذاتي للهنود الحمر، لكنها تعطي المهمشين في السودان حق تقرير مصيرهم.