Individualism

الحلم الاميركي (10): الفردية:

 

الفردية: استقلالية؟  او انانية؟

 

الفردية تجعل الاميركي فخورا بنفسه لأنه سيد نفسه

 

مسلسل تلفزيوني اوضح ان البنت الاميركية  فردية ايضا

 

واشنطن: محمد علي صالح

 

مؤخرا، قالت دبورا بالفري انها اتفقت مع اذاعة في الانترنت لنشر "قائمة بالفري".  وانها ستعرض اجزاء من القائمة في مزاد في الانترنت.  هزت "قائمة بالفري" واشنطن، لأن فيها اسماء اكثر من  15,000 زبون وفرت لهم "شركة بالفري" خدمات جنسية لاكثر من عشر سنوات، واستخدمت خلالها 130 بنتا، اغلبيتهن طالبات في جامعات.   وقالت ان بعض زبائنها مسئولين، ومحامين، وشخصيات مشهورة في واشنطن. 

وفعلا، استقال راندال توبياس، مساعد وزيرة الخارجية للتنمية، بعد ان كشفت بالفري اسمه.

يوضح لجوء بالفري للانترنت شيئين:

اولا، قدرة الانترنت على ان ينقل اي شئ. 

ثانيا، قدرة الفرد في اميركا على ان يفعل اي شئ.

ظلت الفردية ركنا اساسيا في الحياة (والفلسفة) الاميركية.  وهاهو الانترنت في طريقه ليصبح ركنا اساسيا في الحياة الاميركية ايضا. 

هل يزيد الانترنت الفردية وسط الاميركيين؟  او هل يخفضها؟

 

ماهي الفردية؟:

 

الفردية ("انديفيديواليزم") وصف سياسي، واجتماعي، واخلاقي، يركز على ان الفرد:

اولا، مستقل عن اي سيطرة خارجية، فردية او اجتماعية او حكومية. 

ثانيا، حر في ان يقول ما يشاء، ويفعل ما يشاء. 

ثالثا، فخور بنفسه، لانه سيد نفسه.

ويقول فلاسفة الفكر الفردي ان الفردية ليست اقل اهمية من التقاليد الاجتماعية، والالتزامات القبلية، والانتماءات العرقية، والمصالح الوطنية.  وحتى العقائد الدينية.  رغم ان الفردية ليست ضد الدين، لكنها ترفض ان يفرض الدين على الناس، وتفضل ان يقتنع به الناس.

لكن، يقول الذين يعارضون الفردية انها تتعدى الحدود المعقولة عندما تفعل الآتي: اولا، تتحدى القانون السائد.  ثانيا، تتحول الى عنف.  ثالثا، تصير استعلاء.  رابعا، تصير انانية.

لكن، يرد انصار الفردية على هؤلاء بالأتي:

اولا، "القانون" نوعان: فرض على الناس.  او وضعه الناس في حرية.

ثانيا، "العنف" نوعان: لتغيير ما فرض على الناس.  او لتغيير ما وضع الناس في حرية.

ثالثا، "الاستعلاء" نوعان: تبجح بالمال والسلطة.  او فخر بالحضارة والعلم.

رابعا، "الانانية" نوعان: التي تؤثر على فردية الآخرين.  او التي لا تؤثر.

 

الفردية الانانية:

 

للفكر الفردي جناحان: متطرف، ومعتدل

قادت يان راند، فيلسوفة يهودية روسية هاجرت الى اميركا (وتوفيت سنة 1982)، فكرة ان الفردية انانية.  وتعتبر اول من كتب عن الانانية كنظرية فلسفية.

وكتبت في كتاب "فضائل الانانية" (صدر سنة 1964): "الفرد وسيلة لنفسه، وغاية لنفسه.  ليس وسيلة لغاية فرد آخر.  ولا غاية لوسيلة فرد آخر." 

واضافت: "الفرد موجود من  اجل الفرد، ولا يضحي في سبيل غيره، ولا يضحي غيره في سبيله." وقالت ان الافراد يتفقون على شئ واحد، وهو تأسيس حكومة تحمي الوطن، وتحافظ على الامن.  وفيما عدا ذلك، "لا حدود لأي شئ." 

وقالت: يحدد الفرد الخطأ والصواب.  وكل ما يفعل يجب ان يكون صائبا.  ولهذا فان الانانية فضيلة.

 

الفردية الايجابية:

 

في الجانب الآخر، هناك البريطاني توماس كارلايل (توفي سنة 1881).  قاد الفكر الفردي البحثي، اي ان المجتمع لا يتكون، تلقائيا، من افراد، ولكن الافراد هم الذين يكونون، طواعية، المجتمع.

وقال قولا صار مثلا: "كل فرد يعيش داخل دائرة مغلقة." 

يفتحها على الآخرين عندما يريد، ويغلقها عليهم عندما يريد.  قال ذلك من منطلق ديني اكثر منه منطلق وضعي.  كان تربي في عائلة دينية، وتأثر بتعاليم عيسى المسيح.  لم يدعو الى العودة الى الدين، لكنه قال:

اولا، الروحانيات جزء من تفكير الفرد. 

ثانيا، روح الفرد يمكن ان تقود روح المجتمع. 

ثالثا، كل فرد مسئول امام الله عن نفسه.

وكتب في كتاب "الفرد البطل عبر التاريخ" ان "افرادا ابطالا" غيروا مجتمعاتهم، وغيروا تاريخ العالم، خيرا او شرا.  وفي الكتاب فصل عنوانه "النبي كبطل"، كله عن النبي محمد (ص).  قال فيه: "غير فرد واحد نفسه، وقبيلته، وجزيرته، ثم العالم حوله.  هزم قبائل متحاربة، وبدو متجولين، واسس خلال عشرين سنة فقط امة متحضرة (تزيد وتنمو منذ اربعة عشر قرنا)".

 

الفردية الاميركية:

 

يفضل الاميركيون وصف "راقيد انديفيديواليزم" (فردية خشنة.  لانها تعتمد على العمل.  ولأن كل فرد يجازى حسب عمله).  ويؤمن الاميركيون بأن روح المجتمع من روح الفرد.  ولأن الاميركيين اكثر تدينا من الاروبيين، يرون ان "الفردية جزء من الايمان (عقيدة دينية او روحية)".

وعندما هرب المهاجرون الاميركيون الاوائل من طغيان رجال الدين في اروبا، اسسوا "نظاما فرديا"، فيه:

اولا، الفرد اساس النظام. 

ثانيا، الايمان اساس الفرد.

وقال توماس جفرسون، كاتب الدستور (وثالث رئيس): "تحمى الحكومة كل فرد من فرد آخر."

ونادي الفيلسوف رونالد سكولون بما اسماها "الفردية الرافضة"، وقال: "انا ارفض القانون الجائر، وارفض الدين الاجباري."  وسارت على خطاه بيتي فريدمان، قائدة حركة تحرير المرأة الاميركية، ومؤلفة كتاب "لغز الانوثة" (صدر سنة 1963)، وقالت: "انا ارفض سيطرة الرجل.  وارفض ان اكون لعبته" (في مطبخه، وفي سريره).

واشد الفيلسوف الفرنسي الكس دي توكفيل (توفى سنة 1859) بالفردية الاميركية، وانتقدها في نفس الوقت:

فى جانب، اشاد بها "لان الاميركيين فرديون اسسوا ديمقراطية.  ولأنهم فرديون عندهم احساس بالهدوء والطمأنينة."  لكن، في الجانب الآخر، قال ان الفردية تقود الى الانانية.

 

تيدي روزفلت:

 

قبل مائة سنة، واجه الاميركيون سؤالا تاريخيا عن دور الفردية (والانانية) في النظام الراسمالي. 

يعتقد مؤرخون ان الفردية، متمثلة في طمع الشركات الرأسمالية الاميركية مع بداية القرن العشرين، كادت ان تحطم اميركا، لولا شجاعة الرئيس ثيودور روزفلت. 

صار رئيسا سنة 1904، وواجه آل روكفلر الذين كانوا يحتكرون  84 في المائة من صناعة البترول.  وواجه آل مورغان الذين كانوا يحتكرون  60 في المائة من اسواقل الاسهم المالية.  وواجه عائلات اخرى كانت تحتكر صناعات الصلب، والسكة الحديدية والمطاط.

وضع روزفلت قانون "شيرمان" لمنع الاحتكار،  واعلن: "انتهي عهد الفردية التي كادت ان تقضي على وطننا.  وها انا هنا اليوم اعلن انها  لن تعود."

 

انتشار الفردية:

 

تنتشر الفردية الاميركية في مسلسلات تلفزيونية مثل "لون رينجر" (شرطي انفرادي، يجوب ولاية تكساس، ليرفع الظلم، ويؤسس العدل، بمفرده).  

واوضح المسلسل التلفزيوني "سكس آند ذا سيتي" (الجنس والمدينة) ان الفردية تنطبق على البنات مثلما تنطبق على الاولاد.  وان بناتا في مدينة نيويورك يقدرن على ان يفعلن ائ شئ بدون وضع اعتبار لتقاليد اجتماعية، او محظورات عائلية، او محرمات دينية.

وانتشرت الفردية في كل العالم تقريبا:

مؤخرا، نشرت مجلة "تايم" تقريرا سألت فيه: "هل ستنتهي الصهيونية؟" واشارت الى تحول بعض المزارع الجماعية (كيوبتز) الى مزارع خاصة.  وقالت: "حتى شباب الكيبوتز لم يعد يتحمس للعمل الجماعي بعد ان اجتاحته الفردية."

ومؤخرا، حذر  البابا بينيدكت الاروبيين من ان ابتعادهم عن الدين سيؤثر سلبيا على مستقبلهم ومستقبل دولهم.  وقال ان انخفاض نسبة الزواج وسط الاروبيين، وانخفاض نسبة الاطفال وسط المتزوجين تدلان على "فردية خطيرة."

ومؤخرا، اجرت جريدة "واشنطن بوست" مقابلات مع طلبة وطالبات من كوربا الجنوبية يدرسون في جامعات اميركية، وذلك بعد ان فتح طالب مثلهم في جامعة في فرجينيا النار على طلبة وطالبات وقتل 32 شخصا، ثم انتحر. 

قالت واحدة من الكوريات: "لست مجنونة، ولا مضطربة العقل.  لكنى اعيش في عالمين، يفصل بينهما باب منزلنا: في المنزل الجماعية الكورية، وخارج المنزل الفردية الاميركية."

 

مجلة "تايم":

 

مع نهاية السنة الماضية، اصدرت مجلة "تايم" عددها السنوي "رجل العام"، لكنها لم تختار "اكثر شخصية اثرت على العالم خلال السنة، سلبا او ايجابا" (كما تقول كل سنة).  اختارت "الانترنت".

وكتبت عن الفردية في الثقافة الاميركية، واشارت الى فردية الفيلسوفة اليهودية راند، وقالت انها انانية.  وفضلت فردية الفيلسوف البريطاني كارلايل المتأثر بالاخلاقيات.  وسألت: هل يزيد الانترنت الفردية او يخفضها؟

وقالت:

اولا،  الانترنت فردي وجماعي.  فردي لأن افرادا (مثل "ابطال" الفيلسوف كارمايكل) اخترعوه.  وجماعي لان الهدف منه هو الاتصال مع الآخرين، والارتباط بهم.  ولان كلمة "انترنت" معناها الشبكات المترابطة.

ثانيا، الانترنت اناني وغير اناني.  اناني لأن كل فرد يقرأ ويكتب ما يريد، ولا يحتاج لأن يتكلم مع فرد اخر وجها لوجه.  وغير اناني لانه يوثق علاقة الذين يريدون توثيق علاقاتهم.

ثالثا، الانترنت مجاني وغير مجاني.  هناك مواقع لابد من شراء الدخول اليها، لكن اكثر المواقع مجانا.

 

تيم بيرنرز لي:

 

اشارت مجلة "تايم"الى كارلايل، ابو الفردية، عندما كتبت عن العلاقة بين الفردية والانترنت.  واشارت الى "الافراد الابطال" الذين اخترعوا الكمبيوتر والانترنت، و"عولموا المعلومة"، وقدموا: "غوغل" و "يو تيوب" و "ماي سبيس".  من بين هؤلاء "فرد" غير التاريخ:

يوم 6-8-1991، فتح البريطاني تيم بيرنرز لي الانترنت لكل فرد، بعد ان كان قاصرا على اساتذة الجامعات والعسكريين.  وقال: "سنغير العالم، وسنغير الطريقة التي يتغير بها العالم." (صار لوردا في وقت لاحق).

ولم يعد الفرد يقرأ ويشاهد فقط، لكنه صار يكتب، ويصور، ويساهم، ويرسل، ويعلق على اي كتاب، او فيلم، او تعليق آخر.  هذه حرية لا مثيل لها في تاريخ الانسان.  كانت حرية الكلام في الشارع، ثم في صحف محلية، ثم في تلفزيون اقليمي.  لكنها صارت الآن تغطي كل العالم. 

ولم يعد الفرد يعتمد على اعلام يبيع له معلومات.  او يخشى حكومات تراقب معلوماته.   ولهذا، تقدر "بالفري" على ان تنشر اسماء 15,000 رجل، و120 بنتا كانوا في شبكة الدعارة التي ادارتها في واشنطن. 

آخر خبر: انتحرت بالفري بعد ان حكمت عليها محكمة في واشنطن بالسجن بتهمة ادارة شبكة دعارة.  لكن تبقى اسماء الرجال في انتظار ان تكشف يوما ما، وفي عصر الانترنت، لابد ان تكشف يوما ما.