Guantanamero, Guantanamu

الحلم الاميركي (9): غوانتاناميرو، بنت غوانتانامو

 

لماذا يغني الاميركيون للحرية، ويغني الكوبيون للثورة؟

 

"عبد الله" السوداني، اول قصيدة كتبها شاعر "غوانتاناميرو"

 

واشنطن: محمد علي صالح

 

مرت اكثر من مائة سنة من "غوانتاناميرو" الى "غوانتانامو". وسجل التاريخ مسيرة رأيين مختلفين عن الحرية والثورة. ثورة كوبا، وحرية اميركا. سارت ثورة كوبا على طريق ثورة اميركا. وخافت حرية اميركا من ثورة كوبا. وخافت ثورة كوبا من حرية اميركا.

وبعد هجوم 11 سبتمبر، لطخ سجن "غوانتانامو" سمعة حرية اميركا، داخل ثورة كوبا. وبعد خلافة راؤول كاسترو لشقيقه فيدل، لطخت الدكتاتورية سمعة ثورة كوبا امام حرية اميركا.

وستظل اميركا تريد حرية في كوبا، وستظل كوبا تريد ثورة في اميركا. وستظل بين الاثنين علاقة حب وكراهية ربما لا مثيل لها بين دولتين جارتين.

 

خلفية تاريخية:

 

في البداية، خافت كوبا من ثورة اميركا (سنة 1776)، عندما كانت مستعمرة اسبانية (استعمرها الاسبان لأربعمائة سنة). وفضلت شركات زراعة السكر، والتبغ، والموز، استعمار اسبانيا على حرية اميركا. وخافت كوبا، مرة ثانية، من حرية اميركا بعد ان عتق الرئيس ابراهام لنكون عبيد اميركا (سنة 1860)، لأن هذه الشركات فضلت استغلال عبيدها.

بعد مائة سنة تقريبا من ثورة اميركا، انتقلت عدوى الثورة الى كوبا. وفي سنة 1868، بدأت الثورة في كوبا ضد الاحتلال الاسباني. تقدمت، وتراجعت، ثم تقدمت وتراجعت. حتى سنة 1896، عندما نزل ثوار كانوا تدربوا في المكسيك على ساحل كوبا بقيادة الشاعر هوزي مارتي.

اغتيل مارتي، لكن انهزم الاسبانيون. واصبح مارتي الثائر الشاعر ابو استقلال كوبا. ورغم انه بدأ ثورته من نيويورك، وشجعه الاميركيون (كراهية في الاسبانيين)، رفض مارتي قبول اي مساعدة اميركية، وسمى اميركا "جالوت" (اشارة الى العملاق الفاسد في العهد القديم).

 

احتلال اميركي:

 

لكن، استغل الاميركيون هزيمة الاسبانيين، وارسلوا قوات المارينز لغزو كوبا، وليستبدلوا استعمارا باستعمار. وعندما قاومهم الكوبيون، ومنعوهم من احتلال الجزيرة كلها، اكتفوا بالقاعدة العسكرية في "غوانتانامو". وحتى هذه استأجرها لهم توماس بالما، الاميركي الذي نصبوه رئيسا للجمهورية. لهذا فأن الكوبيين، حتى اليون، يعتبرون "غوانتانامو" ارضا محتلة.

وقبل ان تشتهر "غوانتانامو" بأنها مكان القاعدة العسكرية الاميركية التى يعتقل فيها خمسمائة مسلم تقريبا، اشتهرت ببلاجها الابيض، وخليجها الهادئ. واشتهرت بأنها المكان الذي نزل فيه كرستوفر كولمبس عندما اكتشف المنطقة قبل خمسمائة سنة تقريبا.

 

"غوانتاناميرو":

 

واشتهرت بأنها موطن "غوانتانامير". هذه كلمة اسبانية معناها "بنت غوانتانامو"، وهي اسم قصيدة كتبها الثائر الشاعر مارتي. كان يسير على بلاج غوانتانامو (يقع البلاج الآن داخل القاعدة العسكرية الاميركية). ورأي، هناك، فتاة كوبية جميلة يقال انها كانت وحي قصيدته.

لكن القصيدة وطنية اكثر منها عاطفية. واصبحت اشهر اغنية كوبية، منذ ذلك الوقت، وحتى اليوم. (تتردد موسيقاها في مقاهي ومراقص ليلية، من بيروت الى سنغافوره، ومن داكار الى شنغهاي. يرقص الاولاد والبنات على انغامها بدون ان يعرفوا كلماته الاسبانية. وبدون ان يعرفوا اهميتها التاريخية).

تقول بعض مقاطعها:

"يا بنت غوانتانامو. انا رجل صادق. جئت من حيث ينمو شجر جوز الهند. اريد، قبل ان اموت، ان انشد هذا النشيد الروحي. نشيد اخضر فاتح. نشيد احمر مشتعل. نشيد ظبية مجروحة، تبحث عن ملجأ في الجبال. زرعت وردة بيضاء في يناير، وزرعت اخرى في يوليو. اهديهما لصديقة مخلصة فتحت قلبها لي. يا بنت غوانتانامو."

 

ثورة اخرى:

 

بعد خمسين سنة من ثورة مارتي، قاد فيدل كاسترو ثورة اخرى ضد حكومة كوبية اقطاعية حليفة لأميركا. سار على خطى مارتي. وعندما انتصر الثوار، دخلوا هافانا العاصمة، ومشوا في شوارعها يرددون اغنية "غوانتاناميرو" التي كتب كلماتها مارتي، الشاعر الثائر.

مرت الاغنية بتعديلات وتغييرات خلال رحلة المائة سنة، وهي تنتقل من كوبا الى اميركا، ثم الى انحاء العالم. غنتها جين باييز، مغنية ليبرالية اميركية، واضافت اليها مقطعا يقول: "اريد ان اشارك حظي مع حظ فقراء الارض. يمنحني النهر المنحدر من الجبل نحو البحر سعادة اكثر من البحر نفسه."

في الصيف الماضي، جاءت باييز، مع آخرين، الى واشنطن للاشتراك في مظاهرة ضد حرب العراق. وغنوا اغنية "غوانتاناميرو"، وكان واضحا ان هناك صلة للاغنية بالقاعدة العسكرية الاميركية في "غوانتانامو"، وبما يجرى فيها.

 

"اميركا الجميلة":

 

غنت باييز، وغيرها، اغاني الثورة الكوبية، واغاني الحرية الاميركية.

ورغم الشبه بين الاثنين، هناك تناقض واضح، سببه علاقة الحب والكراهية هذه، لاكثر من مائة سنة، بين اميركا وكوبا.

انعكست علاقة الجوار والتناقض بين اميركا الرأسمالية العملاقة، وكوبا الصغيرة الثائرة، على اغاني البلدين الوطنية:

في جانب، ينشد الاميركيون اناشيد الحرية والاستقلال والجمال.

وفي الجانب الآخر، ينشد الكوبيون اناشيد العذاب والتمرد والثورة.

اشهر اغنية وطنية اميركية هي "اميركا الجميلة"، وتقول بعض مقاطعها:

"ايتها الجميلة. ذات السماوات الواسعة. وامواج القمح الصفراء. وعظمة الجبال البنفسجية. فوق سهول البرتقال. اميركا، اميركا. ليصب الله رحمته عليك. وليزين خيرك بتاج الاخوة. من محيط الى محيط."

في الجانب الآخر، اشهر اغنية كوبية، كما قلنا، هي "غوانتاناميرو" التي تتحدث عن ثورة "حمراء مشتعلة".

 

اغاني كوبية:

 

ورغم التناقض السياسي والاقتصادي بين كوبا واميركا، وجدت اغاني العذاب والثورة الكوبية حقلا خصبا في اميركا. وجدت الاذاعات والمسارح والمهرجانات. ووجدت جمهورا يساوى سكان كوبا عشرين مرة. ووجدت الليبراليين والثوريين. ووجدت حب الاميركيين لكل ما هو غريب ومثير، حتى اذا كان يناقض ما تعودوا عليه.

مثلا: اغنية "غوانتاناميرو" باللغة الاسبانية، لكن فنانين اميركيين غنوها بالانجليزية، وبمختلف انواع الاغاني. غناها بيتر سيغر، مغني الروك آند روك. وغناها تيتو بيونتي، مغني الجاز. وغناها ويسليف جين، مغني "الهيب هوب". ثم انتقلت من اميركا الى اروبا، حيث غناها بالفرنسية جو داسين.

لكن سيليا كروز، مغنية كوبية هاجرت الى اميركا، تفوقت على غيرها لأنها غنت الاغنية في كوبا بالاسبانية، ثم غنتها في اميركا بالانجليزية. وغنت كروز اغاني "الصلصة" (اغاني من كوبا ومن جزر البحر الكاريبي انتقلت الى اميركا)، التي اثارت اعجاب الاميركيين، وحولوها الى فيديو كليب، وافلام سينمائية، ومسلسلات تلفزيونية.

 

كوبية سوداء:

 

اشتهرت اغاني كروز، "ملكة الصلصة"، في اميركا ليس فقط لأنها من كوبا، ولكن، ايضا، لانها كوبية سوداء. واضاف هذا نكهة خاصة لأغانيها. خلطت بين مرح السود، وتمرد اللاتينيين، وغنت "الحياة كرنفال" التي تقول بعض مقاطعها:

"ابعدوا عني منزل المرايا. ابعدوا عنى كل الهدايا. نحن كلنا في قارب واحد. نستعد لنبحر بعيدا. ونسقط من حافة العالم. الارض مسطحة، لا تنسوا. الشارع كرنفال، فيه بائع خردوات، وبائعة جسد. الحياة كرنفال. الحياة كرنفال. الحياة كرنفال."

وتخلط الاغنية اليأس بألامل، وتقول: "تقدر على ان تسير على الماء. تقدر ان ان تغرق في الرمل. تقدر على ان تطير فوق الجبل. اهرب، اهرب من السأم."

متحف التاريخ:

اقام متحف التاريخ الطبيعي في واشنطن، مؤخرا، معرضاً لتخليد ذكرى ملكة الصلصة التي توفيت قبل اربع سنوات. ووصفها بأنها واحدة من اشهر مغنيات كوبا خلال القرن العشرين، وأهم مغنية جمعت بين الفنين الاميركي والكوبي، رغم الاختلافات السياسية والاقتصادية والثقافية. ونقل جثمانها، قبل دفنه، الى مدن اميركية، فيها جاليات كبيرة من كوبا، ليلقوا عليها النظرة الأخيرة، ثم دفنت في نيويورك.

ودفن جثمان ملكة الصلصة الكوبية في نيويورك، في مكان ليس ببعيد من المنزل الذي عاش فيه، قبل اكثر من مائة وعشرين سنة، هوزي مارتي، الثائر الشاعر، قبل عودته الى كوبا، كقائد للثورة ضد الاحتلال الاسباني.

وهكذا برهن الاثنان على ان ما يربط اميركا وكوبا اكثر مما يفرق بينهما. وزادت اهمية ذلك لأن الاثنين خلطا ثلاث ثقافات رئيسية: اميركية ولاتينية (من اميركا الجنوبية) وافريقية. ربما هنا سيوجد حل وسط بين الصراع التاريخي بين حرية اميركا وثورة كوبا. حل وسط ثقافي يجمع بين الاميركيين واللاتينيين والافريقيين.

"عبد الله" السوداني:

لكن، رغم ان غوانتاناميرو اصبحت اشهر ما كتب مارتي، ورغم انه ركز على نضال كوبا ضد القوة الاميركية، فهو لم ينس افريقيا، مع ان دمه خالٍ من اي قطرة سوداء.

عندما كان مارتي في كوبا، وكان عمره ست عشرة سنة، كتب اول قصيدة. قصيدة عبد الله، عن زعيم مسلم وسط النوبة (قبيلة في شمال السودان وجنوب مصر)، تمرد على الاحتلال الاجنبي.

قال مارتي، في وقت لاحق، انه احس بظلمين في كوبا: اولا، ظلم الاحتلال الاسباني للبيض والسود. وثانيا، ظلم البيض للسود (كانوا رقيقا في ذلك الوقت). وقال انه، لهذا، نقل خياله الى السودان.

كتب مارتي، في مقطع من مقاطع عبد الله: دافع عبد الله بدمه عن النوبة، دافع ضد الاجانب الظالمين. لتعرفي ذلك يا امي. لأن حب الوطن ليس اقل من حب الام.

دورة التاريخ:

ودار التاريخ، مؤخرا، دورة كاملة. بعد اكثر من مائة وعشرين سنة منذ ان كتب مارتي قصيدة غوانتاناميرو، كتبت وغنت فرقة كومباشونيت الاميركية اغنية غوانتانامو عن سجناء القاعدة العسكرية الاميركية هناك. تقول بعض مقاطعها: اجلس في زنزانتي. اجلس في جهنمي. نزعوا مني اقوالي. لكنني لم اقل لهم اي شيء. انا سجين غوانتانامو. اشاهد الاسابيع تمر. اضيع وقتي. ذهبت الى كابول بحثا عن زوجتي وابننا. لكن، اعتقلني جنود وقيدوني، ولم يقولوا لي ماذا فعلت. تربيت في افغانستان. كنت دائما رجلا مسالما. لم اكن مع طالبان. لماذا لا يفهمون؟ اريد ان اصلي. لكن، نسيت كيف اصلي. قل لهؤلاء اللصوص ان يتركوني. وساعدني لاعود الى زوجتي وابننا. انا سجين غوانتانامو.