قضيت أكثر من ثلاثة عقود زمنية، أي أكثر من نصف عمري هائماً بين بلدان العالم، والتي إخترت منها أو إختارتني - سيان - خمساً في ثلاث قارات، توسلت فيها إستقراراً بسبل كسب العيش الكريم، وجاء ذلك بالطبع في غياب وطن...مرة كان طارداً بفعل موارده، واخري أوصد أبوابه في وجهنا بفعل بنيه، ولكن ورغم المِحنة إلا انني لا أستطيع أن انفي ما إكتسبته من تجارب ثرة بفعل التواصل مع ثقافات مختلفة ومتباينة وثرية، لا سيّما وانني أزعم أن غربتي في بدايتها كانت هجرة عن الوطن في طلب المعالي، وذلك إمتثالاً لمقولة الأمام الشافعي، والذي رأي في الاسفار خمس فوائد، توخينا حصدها في الثلث الأول بهمة من لا يري في الدنيا غيرها...بدءاً من تفرج همٍّ، وإكتساب معيشة، وطلب علم وآداب، وصحبة ماجد اما الثلثين الآخرين فقد وهبناهم بغير منٍ لأنظمة السوء، فإنقلبت بلا مناص الفوائد الخمسة إلى منغصات خمس طبقاً للشافعي نفسه، والذي قال لو قيل في الأسفار ذلّ ومحنة وقطع الفيافي وإرتكاب الشدائد، فموت الفتي خير له...من حياة بدار هوان وأتمني أن لا يمتثل لنصيحته الأخيرة هذه.. أحد الذين بلغت الروح عندهم الحلقوم!

بيد ان هذه ليست القضية، ولكن هل جاءكم حديث ذريتي الذين جسدوا بالنسبة لي محنة المنافي، أنها ليست سيرة ذاتية، وأرجو أن لا يظن احداً أنها إقحام لشأن خاص، ذلك لأن أبنائي انفسهم أصبحوا نموذجاً للشأن العام الذي يقطع نياط قلوب الآباء، ولربما تصلح روايتهم لمخرج هوليوودي ممن يهوون استدرار دموع البؤساء، هؤلاء أجيال ولدت وترعرعت (اكبرهم صارت أكبر من عمري يوم ان هاجرت أول مرة) في بلدان مختلفة لم يكن وطنهم واحد منها، ومع ذلك مطلوب منهم أن يكونوا سودانيين، على كلٍ قبل الاسترسال أود أولاً أن اعتذر لهم إعتذار من ليس بيده حيلة، فأنا من زمرة المخدوعين الذين كانوا يظنون أن هويتهم السودانية لن تكتمل إلا إذا إستضفنا في منزلنا (العامر) تلك القناة الفضائية الشهيرة، وذلك بدعوي أنها ستربطهم بالوطن، وستساعدهم على إحتفاظهم باللغة العربية، وستساهم في معرفتهم بالعادات والتقاليد، وستجعل أشواقهم متقدة دائماً نحو كعبة الوطن، وتتداعى الأسباب اكثر وأكثر بهمةٍ لاقناع أنفسنا بضرورة تثبيت ذلك الفرض، وأعتذر لنفسي أيضاً، فقد كنت أزيد على تلك الأسباب بمبررات تخصّني، واقول لها أن مهنتي تحتم علىّ كإعلامي تسقُّط الأخبار من مظانها، ولكن بما أنني مُصنّف أصلاً في خانة أعداء العصبة ذوي البأس، فأضيف سراً إلى مبرراتي تلك، مقولات تُعضّد موقفي ولتعينني على الثبات على المبدأ، وذلك من شاكلة (أعرف عدوك) تارةً، ومن (تعلم لغة قوم أمِّن شرّهم) تارة أخرى!

كانت بواكير غربتي في الكويت، حيث عشت ردحاً من الزمن في ذلك البلد الخليجي الوديع، وفيه خرجت إلى الوجود بنتي الكبري التي تقف الآن على أبواب التخرج من الجامعة، وقد رسخ في ذهنها وهي طفلة كلما رأت أحد من العصبة ذوي البأس يرغي ويزبد كالعهد بهم طيلة العقدين الماضيين، فتقول لي بلهجة أهل ذاك البلد التي بدأت تقلدها وهي لا تعرف كنهها:

بابا أيش لون اخوك زعلان؟

المسكينة لا تعلم أن بيني وبين ما توهمت أنه أخي ما صنع الحداد، وتعتقد ببراءة الأطفال أن كل من ظهر على الشاشة الصغيرة هو أخي بالفعل، أما لأن لونه (أخضر) كما نقول في صيغ التحايل اللفظي، أو لأنه يرتدي مثلي العمة والجلابية وملاحقاتها المسماة بـ (الزي الوطني) تلك التي حرضت صديقنا الحاردلو على الشعور بالزهو وصوغها شعراً (ولكن ما لا يفهمه أحد أن نطلق عليه زوراً وبهتاناً الزي الوطني أو القومي) على كلٍ كان الخوف من انحسار لهجتها السودانية قد بلغ مداه، ولعل هذا ما حدا بي أن أكون من اوائل المروجين لتلك القناة الشهيرة بمجرد أن اخذت موقعها بين القنوات، ولم أكن ادري أنني أروج لـ (افيون) يُخدّر الجسوم ويغشي الأبصار ويعمي القلوب التي في الصدور!

غادرت الكويت ذلك البلد الخليجي الجميل، وقد أصبح اطلالاً بعد أن مسحه الرئيس الذي أصبح في ذمة الله من الخارطة، ودخلت مصر مع الذين دخلوها بسلام آمنين، ويعجبني في أخوتنا المصريين تأنثيهم بلادنا غير عابئين بإصرارنا على ذكوريتها، ربما لهذا السبب لم نستغرق وقتاً طويلاً في تفاعلهم وتجاوبهم مع المحنة التي قذفت بنا إلى شواطئهم، ولأن السياسة وتناقضاتها هي اقصر طريق لمعدة الأنظمة الحاكمة، لم نشغل أنفسهم كثيراً بالذي يضرب له السياح أكباد الطائرات ويجيئونه فرادى وجماعات من كل فجٍ عميق، وفي مصر ترعرعت أبنتي الثانية والتي تتأهب الآن لدخول الجامعة، وهي أيضاً كلما رأت من تظنه أنه اخي يطل من على الشاشة الفضائية الشهيرة، وهو يرغي ويزبد كالعهد به، متوعداً أعداء معلومين مرة ومجهولين مرة أخرى... وقاذفاً بحمم من الويل والثبور وعظائم الأمور تكاد ترتج لها شاشة القناة، تبدأ الصغيرة في إلقاء ذات السؤال الذي كانت تردده اختها من قبل، مع فارق أنها قالته باللهجة المصرية التي أحسنت إستيعابها :

هو جري أيه يابابا، ليه أخوك زعلان كده؟

لأن قرب الدار خير من البعد، غادرت مصر المؤمنة إلى منطقة أطلت بوجهها للمرة الأولي على الخارطة الجغرافية العالمية، وكانت سعادتي بها لا توصف...لأنها تقع على مرمي حجر من وطن أشتهيه ويشتهيني، فالأريتريون قوم وديعون...نحبهم ويحبوننا، ولكن حكومتنا كانت تكره حكومتهم أو حكومتهم كانت تكره حكومتنا، على أية حال هذه الجزئية الأخيرة يعتبرها أئمة السياسيين رحمة طالما انها ستنعكس خيراً وفيراً على معارضيهم، وعلى الرغم من أن القرب الجغرافي كان يمكن أن يُغنيك عن كل ما يمكن أن تحمله لك تلك الفضائية الشهيرة، إلا أنني من باب الادمان على أداء فريضة جُبلت عليها، أقمت لها مستعمرة إستثنائية في صحن الدار، بالرغم من أن أصدقائي الأريتريين كانوا يومذاك يعتبرون كل طبق طائر رجس من عمل الشيطان...وذات يوم تكرر فيه المشهد الدرامي بخطاب التهديد والوعيد فاجأني ابني الذي يتحدث اللغة التيغرينية بطلاقة أهلها:

نمنتاي حووكا حريقو؟

فقلت له بلغة أخري لا يفهمها أرايت يا بني ذاك الزبد الذي يتطاير في الهواء، فقد قال عنه المولي عزّ وجل أنه سيذهب جفاءً!

حينما تصارع الجاران العزيزان اريتريا واثيوبيا بعدئذٍ على مِزّعة أرض، وجعلوا من (بادمي) سبباً في إشتعال ضغائن ولّدت ما أسميناه بحوار البندقية، وذلك في السفر الذي وثقنا به لحربهم اللعينة تلك، كان حري بي أن أبحث لأبنائي الذين تعددت ألسنتهم عن مكان آمن، فحملتهم هذه المرة وقطعت بهم الأطلسي، وأحزنني ان الوطن الذي كان قاب قوسين أو ادني، أصبح مجرد تأمله في الخارطة يثير الخوف والهلع في النفوس، وأن النظام الذي كنا نمني النفس بإجتثاثه من جذوره... إجتثنا هو من جذورنا. وهنا في امريكا الدنيا الجديدة كما قال عنها كرستوفر كولومبس رأيت بتلك العين الكليلة أن الحاجة للفضائية الشهيرة ستكون مضاعفة، فبروبوجاندا التغريب تكاد تجعل المرء يفر من أمه وأبيه وصاحبته وبنيه، فقلت ربما وجدت فيها خلاصاً من قبل ان يدنو هلاك هذا البلد المبشر بالعذاب، وذات يوم وبينما المنظر المذكور يتكرر امامنا على الشاشة البلورية، فاجأني أبني الأصغر الذي سيلتحق بالمدرسة هذا العام بلسان شكسبيري مبين، كان دليلاً على فشل القناة الشهيرة في تحقيق إحدي غاياتها المرجوة، بعد أن لازمتنا طيلة رحلة المنافي كأحد افراد الأسرة تماماً..فقال أبني:

Dad, why is your brother so angry?

لم يكن ثمة بد أمامي من أجيبه بلسان هجين هذه المرة... من الحبِّ ما قتل ما بني!